في خضم النقاش العمومي الذي يرافق مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، يبرز سؤال دستوري وأخلاقي عميق يتجاوز حدود التفاصيل التقنية المرتبطة بالمهنة، ليمس جوهر الوظيفة التشريعية نفسها، وحدود التوازن بين التمثيلية الديمقراطية والمصلحة العامة من جهة، وبين تضارب المصالح والتشريع الفئوي من جهة أخرى. ذلك أن المؤسسة البرلمانية، باعتبارها التعبير الأسمى عن إرادة الأمة وفق الفصل الثاني من الدستور، يفترض فيها أن تنتج قاعدة قانونية مجردة وعامة، تستحضر المصلحة الوطنية بمنطق الدولة لا بمنطق الفئة أو الامتياز المهني أو الحسابات القطاعية الضيقة.
غير أن المتتبع لنقاش مشروع قانون المحاماة داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، يلاحظ بوضوح تحولا مقلقا في طبيعة النقاش، حيث بدا في كثير من اللحظات وكأن الأمر يتعلق بجمع عام مهني أو بهيئة دفاع قطاعية، لا بلجنة برلمانية يفترض أن أعضاؤها يمارسون اختصاصهم التشريعي باسم الأمة ووفق مقتضيات الدستور والنظام الداخلي ومدونة الأخلاقيات البرلمانية. فحين يصبح أغلب المتدخلين في النص التشريعي منتمين مهنيا إلى الفئة المستفيدة مباشرة من القانون موضوع المناقشة، دون استحضار جدي لإشكالية تضارب المصالح أو واجب التجرد، فإننا نكون أمام انزياح خطير عن الفلسفة الدستورية المؤطرة للعمل النيابي.
إن النظام الداخلي لمجلس النواب، الذي أضفى عليه الدستور مكانة خاصة باعتباره في مصاف القوانين التنظيمية المكملة للبناء الدستوري، كان واضحا في هذا الباب. فالمادة 390 من مدونة الأخلاقيات البرلمانية تنص صراحة على أن المصلحة العامة تسمو على كل مصلحة فئوية أو خاصة، وأنه يتعين على النواب تجنب حالات تضارب المصالح وعدم استغلال الصفة النيابية لتحقيق منافع مهنية أو شخصية. كما تؤكد نفس المدونة على مبدأ الاستقلالية، بما يمنع النائب من الخضوع لأي تأثير أو ارتباط قد يؤثر على أدائه لوظيفته التشريعية.
لكن ما وقع عمليا خلال مناقشة بعض المقتضيات المرتبطة بولوج أساتذة القانون إلى مهنة المحاماة، يكشف بوضوح حجم الاختلال. إذ برز خطاب متشنج وغير محايد لدى عدد من النواب المحامين، بلغ أحيانا مستوى الترافع المهني المباشر ضد فئة أكاديمية يفترض أنها تشكل عمقا علميا وقيمة مضافة للمهنة وللعدالة نفسها. بل الأخطر من ذلك أن بعض المقترحات اتجهت نحو الانتصار الى تكريس قيود ذات طبيعة إقصائية، سواء من خلال شرط السن أو شرط الاستقالة من الجامعة، في محاولة لإغلاق المهنة أمام الكفاءات الجامعية، رغم أن التجارب المقارنة تتجه في الاتجاه المعاكس تماما.
ففي فرنسا مثلا، يسمح للأساتذة الجامعيين المتخصصين في القانون بولوج مهنة المحاماة وفق مساطر خاصة تراعي مكانتهم العلمية وخبرتهم الأكاديمية، انطلاقا من تصور يعتبر الجامعة خزانا للنخبة القانونية وليس خصما للمهنة. وفي إسبانيا وإيطاليا وعدد من الأنظمة الأنجلوسكسونية، يشكل التداخل بين الجامعة والممارسة المهنية أحد مؤشرات نضج المنظومة القانونية، لأن المشرع هناك ينطلق من منطق تكامل المعرفة القانونية لا من منطق الاحتكار المهني المغلق.
أما في الحالة المغربية، فإن ما يثير الانتباه ليس فقط مضمون بعض المواقف، بل طبيعة السلوك التشريعي نفسه. إذ كيف يمكن لنائب برلماني أن يناقش مقتضيات تمس بشكل مباشر مصالحه المهنية والاقتصادية، ثم يتحول في الآن نفسه إلى طرف مدافع ومستفيد من النص دون أي آلية واضحة لتحييد تضارب المصالح؟ هنا يطرح السؤال الدستوري الحقيقي: هل ما يزال البرلمان يمارس وظيفته باعتباره مؤسسة لإنتاج الإرادة العامة، أم أننا أمام تحول تدريجي نحو تشريع قطاعي تتحكم فيه اللوبيات المهنية من داخل المؤسسة التشريعية نفسها؟
صحيح أن البرلمانات الديمقراطية بطبيعتها تعكس موازين القوى داخل المجتمع، وأن حضور الفئات المهنية داخل المؤسسة التشريعية أمر عادي ومطلوب أحيانا بحكم الخبرة والتخصص، غير أن الفرق الجوهري في الديمقراطيات الناضجة يكمن في وجود ضوابط صارمة تمنع تحول النائب إلى "قاضٍ وخصم في الآن نفسه". ففي عدد من البرلمانات المقارنة، تفرض قواعد التصريح بالمصالح وآليات الامتناع عن التصويت أو المشاركة في بعض المناقشات عندما يتعلق الأمر بمصلحة مباشرة للنائب أو لفئته المهنية، حماية لمصداقية المؤسسة التشريعية وللثقة العامة.
لذلك، فإن النقاش الحالي لا يتعلق فقط بمهنة المحاماة، بل بمستقبل الوظيفة التشريعية في المغرب وحدود الأخلاقيات البرلمانية نفسها. لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في انتصار فئة مهنية داخل نص قانوني معين، بل في ترسيخ سابقة تشريعية تجعل البرلمان فضاء لإنتاج قوانين على المقاس، بما يهدد جوهر فكرة الدولة القانونية نفسها.
وإذا كانت التجربة الأمريكية قد عرفت في مرحلة معينة ما سمي بـ "حكومة القضاة" نتيجة التوسع الكبير في سلطة القضاء وتأثيره على القرار العمومي، فإن ما نعيشه اليوم يفتح الباب أمام سؤال مشروع ومقلق: هل نحن بصدد الانتقال تدريجيا نحو "برلمان المحامين"، حيث تتحول السلطة التشريعية من فضاء للتعبير عن الإرادة العامة إلى مجال لإعادة إنتاج المصالح المهنية والفئوية تحت غطاء الشرعية الديمقراطية؟






