وسط كل هذا الضجيج المثار حول ما يسمى بـ"نظام الطيبات"، يحق لنا أن نتساءل: منذ متى أصبح الطب علماً يشتغل بمفاهيم الوعظ والخطابة الدينية بدل المصطلحات العلمية الدقيقة؟في الطب لا وجود لشيء اسمه "الطيبات" و"الخبيثات" كمفاهيم علمية معترف بها داخل ميدان التغذية العلاجية. هذه مصطلحات شرعية وفقهية مرتبطة بثنائية الحلال والحرام، لا بثنائية البروتينات والسكريات والدهون والتمثيل الغذائي والاستقلاب والأبحاث السريرية المحكمة. أما الزج بها داخل المجال الطبي وكأنها اكتشاف علمي خارق، فهو خلط خطير بين الدين والعلم، وبين الخطاب الإيماني والخطاب الطبي. الطب لا يبنى على العواطف ولا على دغدغة مشاعر البسطاء، بل على التجارب السريرية، والدراسات المحكمة، والتراكم العلمي،واللغة الدقيقة التي تحترم العقل قبل كل شيء. أما تحويل المصطلحات الدينية إلى وصفات علاجية وتسويقها كأنها ثورة علمية، فهو أسلوب أقرب إلى الدجل والشعوذة منه إلى الطب الحديث. المثير للأسف أن كثيرين انبهروا بالشعار دون أن ينتبهوا إلى حجم المغالطة الكامنة فيه. فليس كل من استعمل لغة دينية صار طبيباً، وليس كل من هاجم "السموم" و"الخبيثات" امتلك معرفة علمية حقيقية. فالدجال دائماً يبدأ باللعب على الكلمات، ثم ينتقل إلى اللعب بعقول الناس وصحتهم. الطب رسالة نبيلة، لا يحتمل المتاجرة بالأوهام ولا استغلال خوف المرضى ومعاناتهم. الطبيب الحقيقي لا يبيع اليقين المطلق، ولا يتحدث بلغة الأنبياء، ولا يقدم نفسه كمنقذ للبشرية من "المؤامرة الطبية". الطبيب الحقيقي يعرف حدود العلم، ويحترم المنهج، ويخضع للنقد والتجربة والتصحيح. أما الذين يحولون التغذية إلى عقيدة مغلقة، ويستعملون المقدس لتسويق أفكار غير مضبوطة علمياً، فهم يسيئون إلى الدين والعلم معاً في آن واحد.
تحليل
منذ متى أصبح الطب علماً يشتغل بمفاهيم الوعظ والخطابة الدينية بدل المصطلحات العلمية؟
إبراهيم حيمي






