مجتمع وحوداث

سويرتي مولانا..

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

كمواطنة، يمكنني أن أغضب ثم أهدأ..كصحفية، يمكنني أن أنتقد ثم أمر إلى موضوع آخر، لكن كأم لتلميذين، لا أستطيع أن أمر مرور الكرام أمام مشهد وزير التعليم وهو يتحدث داخل البرلمان بذلك الارتباك الصادم، ثم يُطلب مني بعد ذلك أن أثق في “إصلاح التعليم”.

كنت أتابع الرجل وهو يوجه كلامه للتلاميذ، فإذا بي أبحث، مثل ملايين المغاربة، عن الفكرة الضائعة وسط الجمل. لم أفهم ماذا أراد قوله بالضبط، ولا ما الرسالة التي حاول إيصالها، ولا لماذا بدا وكأنه يقاتل مع الكلمات بدل أن يقودها. وهنا تحديدا شعرت بالإهانة، لأن التعليم ليس حقيبة عادية.

التعليم هو القطاع الذي أضع فيه ابني كل صباح، وأنا أراهن على أن الدولة تعرف ماذا تفعل بعقله ومستقبله وثقته بنفسه. وحين أرى المسؤول الأول عن هذا القطاع عاجزا عن تركيب خطاب واضح داخل البرلمان، فمن حقي أن أخاف. ليس على اللغة، بل على مستوى من يتخذ القرار أصلا.

دعونا نتحدث بوضوح بعيدا عن المجاملات السياسية، هذه النتيجة ليست حادثا معزولا. هذه نتيجة طبيعية حين تتعامل الحكومة مع ثقة المغاربة وكأنها تفويض مفتوح لتحويل الدولة إلى ضيعة خاصة. يتم توزيع القطاعات بمنطق القرب والثقة الشخصية وتوازنات المصالح، لا بمنطق من يملك القدرة الفعلية على حمل مؤسسة بحجم التعليم، وهنا أصل المشكلة مع رئيس الحكومة نفسه.

لأن من يعين شخصا على رأس التعليم، وهو يعلم أن الرجل لا يملك الحد الأدنى من الكاريزما الفكرية والقدرة التواصلية التي يحتاجها هذا القطاع، ثم يطلب من المغاربة أن يصدقوا أن الأولوية هي “إصلاح المدرسة”، فهو في الحقيقة يسيء إلى المدرسة أكثر مما يصلحها.

المغاربة ليسوا سذجا. نحن نرى جيدا كيف تُدار الأمور. نرى كيف تتحول بعض المناصب إلى مكافآت سياسية، وكيف يُصبح الولاء أهم من الكفاءة، والانسجام مع الدائرة أهم من الهيبة الفكرية والرمزية التي يحتاجها المنصب.

لكن ما لا يفهمه بعض المسؤولين، هو أن التعليم بالذات لا يفضح فقط فشل السياسات، بل يفضح مستوى من يدبرونها أيضا. لأنك تستطيع أن تخدع الناس بالأرقام لبعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخفي خواء الخطاب حين يظهر مباشرة أمام ملايين المغاربة.

وما رأيناه داخل البرلمان لم يكن مجرد تعثر في الكلام، بل تعثر صورة الدولة نفسها وهي تتحدث إلى أبنائها، وهذا أخطر بكثير.

لا التباكي سيُنقذ هذا البلد، ولا الغضب وحده سيُغير شيئا. الصراخ على مواقع التواصل قد يفضح العبث، نعم، لكنه لا يهزم منظومة تعودت أن تراهن على تعب المغاربة، وعلى اعتيادهم التدريجي على الرداءة، وعلى اقتناعهم بأن لا شيء سيتغير.

أما أنا، فما عدت أؤمن بهذه الفكرة.

أؤمن أن أخطر ما فعلته هذه الحكومة ليس فقط ارتفاع الأسعار، أو تضخم البطالة، أو إنهاك الطبقة المتوسطة، بل محاولتها المستمرة تطبيع المغاربة مع فكرة أن الفشل قدر، وأن سوء التدبير مجرد “إكراهات”، وأن المواطن مطالب دائما بالصبر، بينما تُفتح أبواب الامتيازات والصفقات والتفويضات لنفس الدوائر المحظوظة.

طوال هذه السنوات، تابعنا كيف تحولت قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم إلى فضاءات للارتجال والتجريب، وكيف اتسعت الهوة بين مغرب الخطابات ومغرب الواقع. سمعنا كثيرًا عن الدولة الاجتماعية، بينما المواطن يزداد خوفًا من المرض، ومن المدرسة، ومن الغلاء، ومن الغد نفسه.

ورأينا أيضا كيف أصبح جزء من العمل السياسي قائما على صناعة الضجيج أكثر من صناعة الحلول. تُطلق الحروب الإعلامية للتشويش على الحقائق، وتُقلب الوقائع، ويُدفع الناس إلى مناقشة الهوامش حتى لا يقتربوا من جوهر الأزمة الحقيقي، أزمة ثقة عميقة بين المغاربة ومن يُدبّرون شؤونهم.

لكن رغم كل هذا، ما زلت أعتقد أن المجتمع الذي ما زال يغضب، وينتقد، ويرفض، لم يمت سياسيا بعد. وهذا مهم جدا.

لأن التغيير لا يبدأ حين تسقط حكومة، بل حين يرفض المواطن أن يُعامل كرقم انتخابي يُستدعى يوم الاقتراع ثم يُطلب منه الصمت بقية السنوات. التغيير يبدأ حين يقول الناس بوضوح، لا لمن يتاجر بمستقبل أبنائنا، لا لمن يحول المؤسسات إلى غنائم سياسية، لا لمن يطلب منا التضحية بينما يعجز حتى عن تقديم نموذج محترم في التدبير والكفاءة والصدق.

الزمن السياسي يتحرك ببطء، نعم، لكنه يتحرك. وبين المغاربة والصناديق موعد قريب، وهناك فقط ستكتشف "حكومة الضيعات" أن المواطن المغربي قد يصبر طويلا… لكنه لا ينسى..