ليس من عادتي ان أكتب عن موضوع مرتين، و لكن ما وصلني على الخاص اضطرني إلى ذلك..
بالنسبة لموضوع وزير التعليم لم يُقلقني تلعثمه بقدر ما أقلقني النقاش الذي تلاه.
كنت أظن أن الجدل سيدور حول صورة المؤسسة التعليمية، وحول مستوى الخطاب الذي خرج من داخل البرلمان، فإذا بي أكتشف أن جزءا من المشكلة يوجد في نظرتنا نحن إلى معنى المسؤولية العمومية نفسها.
لقد سألني بعضهم على الخاص، بجدية تامة، وما أهمية أن يكون الوزير قادرا على الحديث بطلاقة؟ وكأننا نتحدث عن موظف تقني يشتغل في غرفة مغلقة، لا عن الرجل الذي يتولى الإشراف على القطاع الذي يُفترض أنه يصوغ علاقة الأجيال باللغة والمعرفة والوعي.
والأدهى من ذلك، أن هناك من حاول اختزال النقاش كله في الأجور وتسوية الملفات، وكأن التعليم مجرد عملية محاسباتية جافة، لا قضية ترتبط ببناء الإنسان وصورة الدولة وهي تخاطب أبناءها.
وهنا يكمن جوهر الأزمة في نظري.
لأن التعليم لا يقوم على الأرقام وحدها، ولا على البلاغات الحكومية، ولا على الاتفاقات الظرفية. التعليم يقوم أولا على المعنى. على الصورة التي تُقدِّم بها الدولة نفسها إلى التلميذ. على نوعية الشخص الذي تضعه في واجهة المؤسسة التعليمية، ليكون، شاء أم أبى، نموذجًا رمزيًا أمام ملايين الأطفال والشباب.
لا يمكن اعتبار الوزير مجرد موقع قرارات فقط، لأنه في الأصل رسالة سياسية قائمة بذاتها.
أنا أنتمي إلى جيل رأى الوزير في التلفاز بقدر من الهيبة، حتى وإن اختلف معه سياسيا. كانت الدولة، على الأقل، تدرك أن السلطة تفقد جزءا من قوتها حين تفقد صورتها الرمزية. لذلك كانت تحرص على اللغة، وعلى شكل الخطاب، وعلى الحد الأدنى من الوقار الذي يجعل الطفل يشعر أن من يتحدث إليه شخص يليق بالموقع الذي يشغله.
أما اليوم، فنحن أمام جيل مختلف تماما.
جيل لا يتلقى صورة المسؤول عبر الخطب الرسمية، بل عبر مقاطع قصيرة على “تيك توك” و”إنستغرام”. جيل قد يختزل وزيرا كاملا في عشر ثوان من الارتباك، ثم يبني انطباعه عن السياسة كلها انطلاقا من تلك اللحظة.
ولهذا أقول إن الذين يعتقدون أن اللغة مسألة ثانوية في موقع مثل وزارة التعليم، لا يدركون طبيعة التحول الذي نعيشه. لأن الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بما تنجزه على الورق، بل أيضا بالصورة التي تتركها داخل الوعي الجماعي.
كيف سأقنع تلميذا يرى وزير التعليم مادة للسخرية الجماعية، أن يحترم المؤسسة أو يثق في الخطاب السياسي؟ كيف سأحدثه عن قيمة المدرسة، بينما المسؤول الأول عنها بدا عاجزا عن حمل فكرة بسيطة إلى نهايتها داخل البرلمان؟
المشكلة الحقيقية ليست في التلعثم وحده، بل في عقلية سياسية أصبحت تعتبر أن المناصب الكبرى تُمنح على أساس الاطمئنان والولاء والانسجام داخل الدائرة، أكثر مما تُمنح على أساس الكفاءة الفكرية والرمزية. ولهذا لم يعد سؤال: “من الأجدر؟” يُطرح بالجدية نفسها، لأن الأهم أحيانا هو أن يكون الشخص مناسبا لمعادلة النفوذ، لا لمقام المؤسسة.
وذلك ما يجعل المشهد خطيرا.
لا تهان الدول حين تفشل سياساتها فقط، بل أيضا حين يصبح تمثيلها أمام الناس بهذا القدر من الهشاشة، ثم يُطلب من المجتمع أن يتعامل مع الأمر وكأنه تفصيل بسيط.
ما رأيته داخل البرلمان لم يكن مجرد وزير أضاع جملة، بل سلطة كاملة بدت، للحظة، عاجزة عن حمل المعنى الذي تدعي تمثيله. وحين يصل الارتباك إلى هذا المستوى داخل وزارة اسمها التعليم، فالمشكلة لا تعود في الكلمات المتعثرة، بل في المعايير التي أوصلت هذا الفراغ إلى واجهة الدولة نفسها..






