فن وإعلام

كان 2026...فيلم 'الأكثر حلاوة': ليلى المراكشي تقتحم مزارع الفراولة الإسبانية بعتاد فني متواضع

جمال بدومة (كاتب صحفي)

تعود المخرجة ليلى المراكشي إلى مهرجان كان في دورته التاسعة والسبعين ضمن فقرة "نظرة ما" بعد واحد وعشرين عاما على عرض فيلمها "ماروك" في الفقرة ذاتها، المخرجة الشابة، وقتها، أثارت جدلا واسعا لأنها صوّرت مغربا لا تعرفه الغالبية الساحقة من مواطنيها: شباب مخملي نزق، متحرر من كل القيود الاجتماعية والثقافية والدينية. جرأة الفيلم أزعجت القوى المحافظة، وقسّمت الجمهور إلى معسكر يصفّق وآخر يطالب بمنع الشريط، الذي حقق في النهاية نجاحا في القاعات السينمائية. في 2013، أنجزت المراكشي فيلمها الثاني "روك القصبة"، لكنه لم يلق صدى كبيرا مثل "ماروك"، رغم أنها جمعت فيه ممثلين من العيار الثقيل، مثل عمر الشريف ونادين لبكي ولبنى أزبال وهيام عباس... 

 

حلم يتحول إلى كابوس 

تجري أحداث شريط ليلى المراكشي الجديد "الأكثر حلاوة" في الجنوب الإسباني، وسط حقول الفراولة، التي تشتغل في قطافها عاملات موسميات يأتين من المغرب، على أمل تحسين ظروفهن المالية ومساعدة عائلاتهن. 

يبدأ الفيلم بلقطات مقربة لأيدي المرشحات للسفر إلى مزارع إسبانيا. الأيدي تشير إلى الوضع الاجتماعي للنساء، وإلى الاتجاه الذي سيذهب فيه الشريط : أقسى درجات البؤس. كلما كانت اليد مشققة وتحمل قسوة الزمن، كلما كان حظ الحصول على الشغل أكبر. مريم (هاجر كريكع)، رسَم الزمن على يديها أفظع العلامات. تلتقي في الطريق مع حسناء (نسرين الراضي) وهي بطلة مغربية سابقة في التيكواندو، تضطرّها الظروف لمغادرة البلاد، إثر مشاكل مع زوجها وفي مسيرتها الرياضية. تريد حسناء جمع المال بسرعة لشراء بيت وتحسين وضعها الاجتماعي. حسناء شابة سريعة الغضب، يغلب على طبعها التمرد، فيما تبدو مريم مستسلمة للقدر، تميل إلى الصمت، وتنوء بحمل ثقيل. يوحد بين الشابتين مصير مشترك، وحلم سيتحول بسرعة إلى كابوس.

 

حسناء والوحش

تتوتر العلاقة بين حسناء ومريم، حين يقوم مالك المزرعة الإسباني بالاعتداء جنسيا على مريم، بعلم صديقتها. ترتمي علاقتهما في منطقة مضطربة، ويصبح التواصل بينهما صامتا، مبنيا عن لوم متبادل: مريم غاضبة من حسناء لأنها تركتها بين يدي الوحش، وحسناء حانقة على مريم لأنها استسلمت للوحش، بالإضافة إلى الجرح الأنثوي طبعا، الرجل اختار صديقتها في النهاية !

بسبب وضعها الهش، تضطر مريم للاستسلام إلى رب المزرعة، وتعيش على إيقاع العار وعقدة الذنب، خصوصا بعد أن تنتقل للعمل عنده في البيت، مقابل شروط مادية أفضل، مما يؤجج غضب بقية العاملات، ويزيد من توتر العلاقة بينها وبين حسناء. 

يبلغ التوتر الدرامي مداه عندما تتعرض مريم لأزمة صحية خطيرة، ولا يبذل المسؤولون عن المزرعة أي جهد لنقلها للمستشفى. تثور حسناء على مشغليها، وتدخل على الخط محامية إسبانية وجمعية تدافع عن العمال الأجانب، ليتحوّل الشريط إلى معركة قضائية، تسيء أكثر مما تفيد العاملات التعيسات. لكننا نكتشف شجاعة النساء وكيف توحّد بينهم المحنة وتصبح معركة الدفاع عن مريم قضيتهن جميعا.

 

جرأةٌ وثغرات فنية 

الفيلم عبارة عن دراما اجتماعية لا تخلو من جرأة، رغم بساطة تركيبتها الدرامية. تركز المخرجة على تصوير عملية جني توت الأرض وملامح العاملات وشروط عيشهن القاسية أكثر من عنايتها بالحبكة الدرامية وبناء الشخصيات، لذلك نجد أنفسنا أمام فيلم أقرب إلى الشريط الوثائقي. ربما لأن المشروع في الأصل بُنِي على شهادات جمعتها المخرجة من عين المكان في نواحي هويلفا الأندلسية. 

تقدم المخرجة صورة صادمة للمخيم الذي تتكدس فيه العاملات الموسميات، في غياب أبسط شروط العيش، 

ونكتشف ظروف عمل أقرب إلى العبودية. تتوفق المخرجة في تصوير مأساة عصرية على الأراضي الأوربية، لكن المعالجة الفنية لا ترقى إلى جرأة اختيار الموضوع. هناك ثغرات في السيناريو، وضعف في بناء الشخصيات، خصوصا الذكورية، مثل شخصية المترجم. 

ما ينقد الفيلم هو الأداء البارع للثلاثي هاجر كريكع ونسرين الراضي وفاطمة عاطف. بالإضافة إلى الوجه الجديد، هند بريك، في دور زينب. كريكع بليغة جدا في صمتها، تبدع في دور امرأة تنوء بحمل ثقيل، تستلم لمصيرها بقدَرية مدهشة، ينخرها العار وعقدة الذنب، فيما تبدع نسرين الراضي في دور شابة حانقة، تكره الظلم، وتقود تمردا على الاستغلال. أما فاطمة عاطف (خديجة)، فتثبت مرة أخرى أن الكاميرا تحبها، تتألق في دور العاملة المخضرمة، التي تفهم ما يجري أكثر من غيرها، وتتعاطف مع زميلاتها بحذر… أكثر من ذلك، يتحفنا صوتها الشجي بأغانٍ أمازيغية حزينة في أكثر من مشهد.