إليكم جميعاً أيها المنقبون، لا تزال أشباحكم تزحف في الأروقة المظلمة. نزلتم إلى الجحيم، والمصباح على جباهكم، وقلوبكم مثقلة بالأمل، تحت آلاف الأطنان من الصخر. حفرتم الأرض كما يُحفر القدر، بالأيدي، بالظهور، بتلك الكبرياء الصامتة لمن يستخرجون من بطن العالم أقسى خاماته. الرصاص، الغالينا، السيروسيت... نزعتموها شبراً شبراً، وكل ذرة من الفانادينيت — ذلك الذهب الأحمر الذي سيجعل من مِبلادَن أسطورة عالمية — كانت تتوهج كنجمة في قعر ظلامكم.
إليكن جميعاً أيها النساء، تلك اللواتي انتظرن عند فوهة البئر، وتلك اللواتي نزلن بعد ذلك، في الخفاء، لإطعام أطفالهن. حملتن ثقل الهجران حين غادرت شاحنات المكتب المغربي للبحوث المعدنية (BRPM) ولم تعد. حوّلتُن الغبار إلى شجاعة، والنسيان إلى تمرّد. حتى اليوم، ما زالت بعضكن تمسك المعول، هادئة وعنيدة، لتنزع من الصخر القليل من ذلك البريق الذي يُنقذ.
إليكم جميعاً أيها الأطفال، الذين كبرتم في المدن العمالية المتهالكة الآن. كنتم تركضون بين المباني الصفراء، تلعبون في غبار الخام، تتنفسون رائحة المصاهر الحارقة. ضحكاتكم جاوبت على هذه الوديان الضيقة، وما زالت تتردد، رغم الريح، رغم الخرائب.
إلى جميع هواة جمع المعادن والجيولوجيين والحالمين القادمين من أركان الدنيا الأربعة. ركعتم أمام تلك البلورات الحمراء الكرزية، وأمام الولفينيت الأصفر الكبريتي، والبارييت النقي. بفضلكم غزا الفانادينيت المِبلادي المتاحف وأجمل الواجهات من توكسون إلى ميونيخ. جعلتم من هذا المكان المنسي أسطورة معدنية.
إلى جميع حراس الذاكرة، التجار السريين، المرشدين بالصدفة، الشيوخ الذين لا يزالون يروون للشباب عصر "غناء" المنجم تحت الديناميت: أنتم تمنعون مِبلادَن من الغرق كلياً. كل حكاية تُروى على كأس شاي، كل عينة توضع في جيب، كل خطوة تخطوها في رواق خطير هي فعل مقاومة ضد المحو.
إذاً، لنرفع كأساً من الماء العذب لوادي مولوية — ذلك الذي أرِقَ ظمأ العديد من الحناجر العطشى — لهذه القرية الشبح التي ليست شبحاً تماماً. فحيث عاش الرجال والنساء والأطفال، وكابدوا، وأحبوا، وأملوا، هناك روح تسهر دائماً.
مِبلادَن لم تمت. مِبلادَن لا تزال تتألق، في أعماق الأروقة، في بريق بلورة متواضعة من الفانادينيت. وكل من تردد عليها، لسبب أو لآخر، يحمل إلى الأبد شظية حمراء صغيرة في ذاكرته.
لكم، لنا، للأرض التي تحفظ أسرارنا.
◇◇◇◇◇◇◇
وهنا، في هذا الصمت المثقل بالغبار والأبدية، أريد أن أوجه كلمة خاصة جداً.
إليك، عبد الرحمن عبد الوالي، روائينا المعتمد، إميل زولا المغرب، وصديقي الوفي بالقلم. أنت من أحييت مِبلادَن من رمادها. بإيقاظك ذكريات الطفولة المدفونة تحت الأنقاض، وبمؤلفك الأدبي جرميبلادن الذي صدر حديثاً، رددت الصوت لهذه القرية البكماء. أعدت الوجوه لأولئك الذين لم يبق لهم غير أشباح.
أتقدم إليك بأخلص التهاني، من صميم القلب. وأعلن رسمياً أنني فخور بصداقتنا. فلتبق هذه الكلمات، التي وضعتها ختاماً لتواضعي، محفورة في الصخر الأحمر لمِبلادَن، بصلابة الفانادينيت.
لك أيها الصديق. لأقلامنا المتشابكة. للذاكرة التي، بفضلك، لن تنطفئ أبداً.






