حنينٌ إلى مغرب الأمس، إلى الطرقات القروية التي كانت تتزين بأسوار الصبار، وإلى صيف الطفولة حين كان التين الشوكي سيد المواسم الحارة ورفيق الفقراء والمسافرين وعابري السبيل .
حول مدينة نافبليو، الواقعة على بعد حوالي ساعتين بالسيارة من أثينا، وسط المشاهد الصخرية المشبعة بالشمس في منطقة أرغوليدا، تلك الأرض الأسطورية التي تتنفس عبق التاريخ اليوناني، يبدو التين الشوكي وكأنه جزء طبيعي من المشهد المحلي.
لكن هذه النبتة العجيبة، الأقرب إلى الصبار منها إلى الأشجار المثمرة التقليدية، لم تولد فوق الأراضي اليونانية.
فـ”الأوبونتيا فيكوس إنديكا” جاءت أصلاً من القارة الأمريكية، قبل أن تشق طريقها نحو حوض البحر الأبيض المتوسط بعد الرحلات البحرية الكبرى خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.
ومع مرور الزمن، تبنت شعوب المتوسط هذه النبتة القادمة من العالم الجديد، فانتشرت من إسبانيا إلى بلدان المغرب الكبير، ومن صقلية إلى السواحل اليونانية.
وفي منطقة البيلوبونيز الجبلية باليونان، خصوصاً حول نافبليو، وجدت هذه النبتة أرضاً تكاد تكون مثالية.
فالمرتفعات الصخرية، والتربة الفقيرة، والجبال الجافة، وفترات الحر الطويلة خلال الصيف، كلها شكلت بيئة مثالية لهذا النبات القادر على الحياة حيث تعجز محاصيل أخرى عن الصمود.
لقد لعبت جغرافية أرغوليدا دوراً أساسياً في انتشار التين الشوكي وازدهاره.
فبين الجبال الكلسية والسهول المفتوحة على البحر، يوفر المناخ المتوسطي شتاءً معتدلاً، وشمساً سخية، وجفافاً صيفياً يناسب النباتات المقاومة للعطش.
وعلى أطراف الطرقات، وبين الجدران الحجرية، وفي الأراضي المهجورة والمنحدرات الوعرة، فرض الصبار نفسه وكأنه جزء أبدي من المكان.
وكان يُستعمل أحياناً كسياج طبيعي يحمي الحقول، ويحد من انجراف التربة، ويوفر ثمرة غنية بالماء والسكر خلال أيام الصيف الملتهبة.
غير أن هذه الحكاية المتوسطية تلامس وجدان المغاربة بشكل خاص.
ففي المغرب أيضاً، كان التين الشوكي يحتل مكانة واسعة داخل المشهد القروي والحياة اليومية.
من سوس إلى السهول الأطلسية، ومن المناطق الجبلية إلى الأراضي شبه الجافة، عاشت مناطق بأكملها على إيقاع هذه الثمرة الشعبية البسيطة، التي كانت غذاءً للفقراء، ومورداً للرزق، ورمزاً للصبر والتأقلم مع قسوة الطبيعة.
كانت أسوار الصبار تمتد على طول الحقول، تحمي الأراضي الزراعية، وترسم لوحات خضراء وسط مناطق قاحلة ومتعبة من العطش.
وكان التين الشوكي جزءاً من الذاكرة المغربية الجماعية: يباع في الأزقة والأسواق صيفاً، وتحمله عربات الباعة المتجولين، ويقتات عليه سكان البوادي والمسافرون تحت شمس المغرب الحارقة.
لكن خلال السنوات الأخيرة، تعرضت هذه النبتة الرمزية في المغرب لكارثة بيئية وزراعية حقيقية.
فقد اجتاحتها حشرة طفيلية مدمرة تُعرف بـ”الحشرة القرمزية” أو “دودة الصبار”، لتقضي على مساحات شاسعة من حقول التين الشوكي.
وفي ظرف سنوات قليلة فقط، اختفت نباتات كانت تبدو وكأنها لا تُهزم.
وتحولت المناظر التي كانت مغطاة بألواح الصبار الخضراء إلى أراضٍ رمادية جافة، مليئة ببقايا نباتات محترقة ومنهكة.
وفي بعض المناطق المغربية، كان الاختفاء شبه كامل.
فقد آلاف الفلاحين مورداً اقتصادياً مهماً، بينما اختفى عنصر راسخ في الذاكرة البصرية والعاطفية للمغاربة.
وقد ترك هذا المشهد أثراً عميقاً في نفوس السكان، لأن أجيالاً كاملة نشأت وسط هذه الحقول.
هناك، حيث كان الأطفال يقطفون الثمار على جنبات الطرق، لم يبق اليوم أحياناً سوى جذوع يابسة وحقول مهجورة.
وأمام هذه الكارثة، أطلقت بالمغرب برامج لإعادة الغرس واختيار أصناف مقاومة للحشرة القرمزية، أملاً في إنقاذ هذا النبات الذي أصبح جزءاً من الهوية المتوسطية والمغاربية.
وهكذا، حين يتأمل المغربي اليوم حقول التين الشوكي المزدهرة فوق التلال اليونانية قرب نافبليو، يشعر وكأنه يسترجع صوراً بعيدة من قراه المغربية القديمة.
فهذا الصبار المعلق على سفوح اليونان يذكره بصمت بمغرب الأمس… قبل أن تأتي الآفة وتمحو تقريباً واحداً من أقدم رفاق الأرض الجافة في بلاد المغرب.






