في ظل التحولات والمتغيرات الراهنة، اجمع محامون وصحافيون على ضرورة العمل على كتابة فصل جديد في علاقة المحاماة والصحافة القطاعين الذين يتقاسمان تاريخا غنيا مشتركا، وذلك عبر اتخاذ مبادرات من بينها تجديد جسور التعاون والتضامن والتآزر التي ميزت علاقتهما على مر العقود والحرص على صيانة وحفظ الذاكرة الجماعية للصحافة والمحاماة.
وإذا كان عدد من المحامين ساهموا منذ بداية الاستقلال في تأسيس عدد من الجرائد، ومارسوا العمل الصحفي، كما كان لهم حضور بارز في المشهد الإعلامي، وانتاجات فكرية وقانونية استأثرت باهتمامات الصحافة، فإن الصحافة والمحاماة، تتقاسمان بالخصوص دور الوساطة والدفاع عن الحقوق والحريات والبحث عن الحقيقة والمساهمة في رفع مستوى الوعي.
تكامل وتضامن
فالعلاقة ما بين القطاعين، كانت دوما وطيدة، وتتقاطعان في عدد من الأهداف وتواجهان نفس التحديات في طليعتها تلك التي تهم حرية التعبير والدفاع عن مبادئ حقوق الانسان والترافع المشترك لتوسيع هوامش الديمقراطية، كما أكد الأستاذ عزيز الرويبح نقيب هيئة المحامين بالرباط الذي كان يتحدث في اللقاء الذي نظمته الهيئة بعنوان " سردية انتقال من المحاماة الى الصحافة" في اطار برنامجها بالدورة الواحدة والثلاثين ( 31 ) للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط ما بين 30 أبريل و10 ماي 2026.
كما أثار الأستاذ الرويبح الانتباه الى أن المحامين والصحافيين، لم يكونا معزولين عن بعضهم البعض أو كانت كل مهنة منغلقة على نفسها، بل على العكس من ذلك، وللصحافة والمحاماة رسالة نبيلة، أحلام مشروعة، لرفع التحديات الكبرى التي تواجه الوطن، والدفاع عن الحرية والعدالة دولة الحق، وأن الوفاء إلى هذا التاريخ الغني المشترك، يعد مسألة حيوية وضرورية.
مسار مشترك
واعتبر نقيب هيئة المحامين بالرباط، أن المسار المشترك والعلاقة التكاملية بين المهنتين ستتواصل وستتعزز، في اطار النضال من أجل الحقوق والحريات، وتقوية البناء الديمقراطي للبلاد.
وفي معرض رصد وضعية الصحافة والمحاماة قال الأستاذ خالد ينجلون المحامي الذي مارس الصحافة، قبل أن يلتحق بالمحاماة، " إن باب حرية الصحافة بدأ يضيق كثيرا، في وقت تواجه فيه المحاماة التي وصفها بمهنة الممانعة الأخيرة، عراقيل وصعوبات، ملاحظا بأن " الصحافة أصبحت، وكأن لها خط تحريري واحد ".
أما الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس أن الأهداف التي تجمع الصحافة والمحاماة من زاوية دفعاهما عن الحق، وأن المحاماة كانت تاريخيا أقرب المهن الى الصحافة متوقفا عند نماذج من المحاكمات التي طالت صحافيين والتي كان خلالها المحامين سندا للصحافيين ومؤازرين لهم ، مؤكدا من جهة أخرى، بأن الكاتب الصحافي جمال المحافظ الذي كانت تجربته في الانتقال من المحاماة الى الصحافة، محور هذا اللقاء، قد تمكن في أن يجمع في كتاباته المتنوعة بين حقي كل من المحامي والصحافي.
الانتصار للحق
وأضاف أن هذا الأمر يبرز في مختلف مؤلفاته ومقالاته التي يركز فيها على الترافع حول العديد من القضايا التي تشترك فيها المهنتين منها الدفاع عن حرية التعبير والانتصار لدولة الحق وأخلاقيات المهنة والحق في الحصول على المعلومات والبحث عن الحقيقة، وتكريس المساواة والانصاف وحقوق الانسان وتعزيز الخيار الديمقراطي والحكامة.
ومن جهته أشار الأستاذ منير البلغيتي المحامي بهيئة الرباط، إلى أن هناك محاولات من بعض الأطراف تحاول طمس والالتفاف على تراكمات تاريخية، تميزت بالنضال من طرف فعاليات وطنية من مختلف الحساسيات، وبغض النظر اختلاف الصفات، بل كانوا منخرطين في بوتقة نضالية واحدة من أجل قيام مشروع مجتمعي جديد. وفي هذا الصدد اعتبر بأن ما نعيشه حاليا من تراكم وزخم هو في حقيقة الأمر نتيجة نضالات خاضتها الصحافة والمحاماة اللذين يمثلان نبض المجتمع وذاكرته الحية.
وأعرب عن اعتقاده ب" أن ذلك يشكل مصدر إزعاج لبعض الجهات التي تحاول الترويج لخطاب الاطمئنان، والقفز على المشاكل الحقيقة التي يشهدها المجتمع، مع عملها على اختلاق صراعات، وذلك بهدف احداث قطيعة مع تاريخنا المشترك، غير عابئين بما خلصت اليه هيئة الانصاف والمصالحة في مجال عدم التكرار، وهو ما يتطلب الانتباه اليه من طرف الصحافة والمحاماة.
تلاقح وتداخل
أما الجامعي سعيد بنيس الباحث في علم الاجتماع، فاعتبر أنه على المستوى السوسيولوجي يعد التغيير بطريقة مفاجئة من هيئة إلى أخرى والمقصود هنا من المحاماة الى الصحافة، ليس سردية ولكنها تلاقح وتداخل بين قطاعين لهما دور مهم في تشكل توجهات الرأي العام، في حين طرح الحقوقي إبراهيم ميسور المحامي بهيئة الرباط ما يلاحظ من " لجوء بعض الصحافيين في كتاباته الى الإدانة وعدم الالتزام بقرينة البراءة وهو ما يشوش على الرأي العام "متسائلا عن الأسباب الكامنة وراء ذلك داعيا الى معالجة هذه الاشكاليات.
وكان الفاعل الحقوقي عبد الرزاق الحنوشي، الذي تولى تسيير هذا اللقاء قد قدم في بدايته لمحة عن مسار جمال المحافظ الذي قضى سنتين من التدريب ما بين 1985 و1988 بمكتب الأستاذ النقيب محمد السملالي، بعدما اجتياز فترة الخدمة المدنية بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون ما بين 1980 و1982.
أفق جديد
وأضاف أن المحافظ كان قياديا بالجمعية المغربية لتربية الشبيبة AMEJ، التجربة المدنية التي أفادته بدورها في العمل الصحافي منذ التحاقه سنة 1988 للعمل بهيئة تحرير وكالة المغرب العربي للأنباء التي تدرج بها في عدد من المسؤوليات المهنية كسكرتير تحرير ورئيس تحرير وطني ومركزي، قبل أن يعين مديرا للإعلام بهذه المؤسسة الإعلامية الوطنية التي تأسست سنة 1959، فضلا عن عضويته بالمكتب المركزي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية . ووصف هذا اللقاء ب"فصل المقال ما بين المحاماة والصحافة من اتصال أو انفصال". كما طرح عدة تساؤلات منها ما هي القواسم المشتركة بين القطاعين، والأهداف التي يتقاسمانها، ومدى تأثير السياقات السياسية والحقوقية والاجتماعية التي يشتغل في اطارها كلا من الصحفي والمحامي، ومدى انعكاساتها على داء المهني لمنتسبي القطاعين







