قضايا

أيُّها الحَضِيض، إلى أيّ حَضِيض وَصَل بك حَضِيضُك!؟

صلاح بوسريف (شاعر وكاتب مغربي- جريدة المساء)
أيُّها الحَضِيض، تَعَال أحْكِي لك عن الحَضِيض الذي نحن فيه، بَشَرٌ مِنَّا عَلَيْنا، جاؤوا من المال والأعمال، كَنَزُوا كُلّ شيء، من مالٍ وذهب وفِضَّة ومصانع ومستشفيات وبُنوك وشركات تأمينٍ، ومعامل لصنع الأروية، ومقالع رمال، وسفن صيد في أعالي البِحار، وصفقاتٍ مرَّرُوها إلى بعضُهُم البعض، صاروا أحزاباً، بل حكومة، اسْتَأْثَرت بالبرلمان، والجماعات، والمُدُن والجهات، صار كُلّ شيء في يدهم، بما في ذلك الماء والشمس والهواء، وبدل أن يشكروا الشَّعْب على ما وضعَهُم فيه من كراسٍ، وما أتاحه لهُم من سلطة وحُكْم، جاروا على هذا الشَّعْب، انقلبوا عليه، وتجاهلوا ما كانوا خاطبوه به من وُعُودٍ، ومن شعارات كبيرة وكثيرة، لا شيء منها كان على الأرض، بل حربُهُم، بدل أن تكون على الفقر والجهل والبطالة، كانت على هؤلاء الذين ظنُّوا أنَّ هؤلاء غير من سبقُوهُم، ممن لا وَعْدَ من وُعُودِهِم صَدَقَ، ولا ما كانوا، هُم أيضاً، يدَّعُونه من نبوءةٍ في إخراج البلاد من الحًيْف الذي حاق بجُل مواطنيها، لكن الذي كان، غير ما قيل، وها هُم، هُم أيضاً، عادُوا يخطبون في النَّاس، بما لا يقدرون عليه، ولا لهُم فيه رأي سديدٌ، وما يدَّعُونه، كلام ليل، لا غير.

أيُهَا الحَضِيض، أعْرِفُ أنَّك بريء، وأنَّك تَعِبْتَ أن تبقى حضيضاً، تُرِيدُ أن تُسْدِي للنَّاس بعض الخير، تخدمُهُم، وتَعُود عن حَضِيضِك الذي قهَرْتَ به البلاد والعباد، لكنك وَجَدْتَ أنَّ حَضِيضَكَ انْتَشَر، وأنَّه طال واستطال، وأنَّك نفسك، أيها الحضيض، لم تَعْد تستطيع رَدَّ حَضِيضِك، فمن يذهب يكون قضى بك وَطَرَهُ، وبلغ ما كان يرغب فيه من ثراءٍ، ومن سلطة وجاهٍ، واختزل المسافات التي يَجْريها النَّاس صباح مساء، مُبَلَّلِين بعرق المواصلات والجري خَلْف وسائل النقل، ليصلوا إلى سِنِّ التَّقَاعُد لينعمُوا ببعض ما كانوا محرومين منه من بطالةٍ، غيرُهُم عاش بها، وتقاعَد بأكثر مما تقاعدوا هُم به، وكان هو من حرمَهُم من التَّقاعُد، ودافَع عن صناديق نُهِبَتْ، وذهبت ثرواتها أدْراج الرِّيح، ولذلك رأيْتَ أن تبقى حضيضاً، بحضيضك الذي كانت فيه رأفة وشَفَقَةٌ، بزَّك فيها من لا يعرفون لا رحمة ولا شَفَقَة، وصاروا أعْتَى منك، فاقُوك، وتركُوك في الحضيض أنت أيضاً، لتُدْرِك، ما كُنْتَ، في رَحْمَتِك، تفعلُه بالنَّاس، وما عانوه منك، رغم أنَّك كُنْتَ السَّيِّءَ، فوجدْتَ من هُم أسوأ منك، هُم الحضيض بيديه ولسانه وقلبه، وذلك أعْتَى الأيمان.

وها أنت أيها الحَضِيض، ما زلت في حَيْرَةٍ من أمْرِك، مُرٌّ ما تُفَكِّر فيه، وتتساءل بشأنه:

ـ من هؤلاء، من أين جاؤوا، وهل وَكْدُهُم الثَّراء والرَّفاه، ومُراكَمَة الأموال الطائلة، لا يسمعون آلام النَّاس، ولا أنينهم، ولا ما يعيشونه من ضَيْقٍ، ومن عَوَزٍ، ولا ما بلغ حُلُوقَهُم من احْتِقان، لا أحد يعرف ما يمكن أن يصير عليه، فالبلاء يبدأ بالظُّلْم، وبإغلاق الآذان والأعين، وكأنَّ لا أحد صرخ، أو استَنْجَد، أو اشْتَكَى، أو تَظَلَّم، والأمْر غير هذا، بل إنَّ الجَمْر كامن تحت الرَّماد، والبراكين، طالما هي صامتة، فثمَّة ما يجري في جوفها من غليان واحْتِقان، لا أحد يعرف ما يمكن أن يبلغه من ذرواتٍ، لا قَدَّر الله.

لهذا، أشْفَقْتُ عليك أيها الحضيض، ورأيتُ أنَّك لم تَرْقَ إلى حضيض غيرك من هؤلاء، من لا يرون في السلطة والمسؤولية سوى ما يخدمون به أنفسَهُم، وذويهم، ويتركون النَّاس في وضع اليائس الغاضب، الذي لا يعرف ما يُقَدِّم، ولا ما يُؤخِّر، وكان يكفي، في ما مرَّ قبل العيد، من عبث بأرزاقهم، وما ادَّخَرُوه، أو اقْتَرضوه من مال، ليُدْرِك هؤلاء، وتُدْرِك معهم صَدِيقِي الحضيض، أنَّك حقّاً طَلَعْتَ أغْبَى ممن جرُّوك إلى حَضِيض الحضيض، ومَرَضُك عُضال، ما لَمْ تَشْفَى منه، لتعود إلى حضيضك الأرْحَم من حضيض هؤلاء الذين لا يرحمون.