قضايا

أزمة الأضاحي.. فشل استراتيجي أم ترويج أرقام مغلوطة؟

الحسن زاين

تصاعدت وتيرة التشكيك الشعبي والمهني في الأرقام الرسمية التي طالما طمأنت المغاربة بوفرة القطيع، وذلك على بُعد يوم واحد فقط من شعيرة عيد الأضحى؛ حيث يعيش المواطن المغربي على وقع صدمة حقيقية داخل أسواق الماشية. 

ولا تقف الصدمة عند حدود الأثمنة القياسية التي استقرت في مستويات غير مسبوقة، بل تتجاوزها لتطرح علامات استفهام حول المنطق الاقتصادي والسياسي الذي تُدبر به وزارة الفلاحة هذا الملف الاجتماعي الحساس. وبات السؤال الأكثر تداولاً وتحدياً لتدبير الوزارة الوصية اليوم يتلخص في كيفية خضوع السوق لقانون العرض والطلب مع تسجيل ارتفاع صاروخي في الأسعار، في وقت تؤكد فيه المؤشرات الرسمية أن العرض يفوق الطلب بكثير.

وحسب القواعد الكلاسيكية للاقتصاد، فإن وفرة المنتج تؤدي تلقائياً إلى استقرار الأسعار أو انخفاضها، لكن المشهد الحالي في "الكسيبة" المغربية كسر هذه القاعدة بشكل غريب، مما يضع فرضيتين لا ثالث لهما أمام التحليل التقني. 

وتتجلى الفرضية الأولى في أن الأرقام والإحصائيات التي قدمتها الوزارة حول حجم القطيع الوطني المعد للذبح كانت مغلوطة منذ البداية ولا تعكس الواقع الحقيقي لرؤوس الماشية المتوفرة في الضيعات والأسواق.

 أما الفرضية الثانية فتشير إلى أن أرقام الدعم المالي والامتيازات التي مُنحت للمستوردين ومربي الماشية قد شابتها المبالغة والنفخ، دون أن يكون لها أدنى أثر ملموس على جيوب المواطنين، وهو التناقض الصارخ الذي دفع بالعديد من المراقبين والمستهلكين إلى القول، بتهكم مرير، إن منطق السوق قد تم اختراقه وتخريبه، إذ لا يستقيم بنيوياً أن تشتكي الأسر من ندرة الأضاحي وغلاء أسعارها، في حين تتحدث التقارير الرسمية عن فائض في العرض.

وتأتي هذه الأزمة بالرغم من المجهودات المالية الكبيرة التي أعلنت عنها الحكومة، بما في ذلك الدعم المباشر المخصص لاستيراد الأغنام والإعفاءات الضريبية والجمركية، ناهيك عن توفر الكلأ والمراعي مقارنة بالسنوات العجاف الماضية. هذه العوامل مجتمعة كانت تفرض، منطقياً، أن تشهد الأسواق مرونة أكبر وأثمنة في متناول الطبقات المتوسطة والهشة، غير أن الواقع أظهر العكس تماماً، حيث تحول الدعم المستخلص من أموال دافعي الضرائب، حسب منتقدي السياسة الفلاحية الحالية، إلى امتيازات ريعية كبّرت هوامش ربح الوسطاء "الشناقة" وكبار المستوردين، دون أن تنعكس إيجاباً على القدرة الشرائية للمواطن البسيط.

وأمام هذا الشرخ الواضح بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش، انتقل النقاش من طابعه الاقتصادي الصرف إلى نقاش سياسي بامتياز، حيث تعالت أصوات حارقة على منصات التواصل الاجتماعي، ومن داخل الهيئات الحقوقية وحماية المستهلك، تطالب بضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة.

 وقد ذهب بعض النشطاء والمحللين إلى حد مطالبة وزير الفلاحة بتحمل مسؤوليته السياسية كاملة وتقديم استقالته، كإجراء ديمقراطي يعبر عن الفشل في تدبير مرحلة كان يراهن عليها المغاربة لتخفيف وطأة الغلاء الذي ينهش قُدراتهم الشرائية منذ أشهر. 

إن أزمة أسواق الأضاحي ليست مجرد حدث عابر يرتبط بمناسبة دينية، بل هي مؤشر مقلق يسائل العمق الهيكلي للاستراتيجيات الفلاحية المعتمدة، ويوضح أن لغة الأرقام في المكاتب المكيفة لم تعد كافية لإقناع المواطن الذي يصطدم يومياً بحقيقة السوق الصادمة.