مجتمع وحوداث

الضامن بشكارتو: امتحان التلاميذ وامتحان الدولة...من يرسب أولا؟

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

غدا إن شاءالله، سيعبر ابني عتبة امتحان البكالوريا. وفي نهاية هذا الشهر، سيجلس ابني الثاني بدوره إلى مقعد الامتحان الإشهادي للسنة الثالثة إعدادي.

وأنا، ككل أم مغربية، أعيش ذلك القلق النبيل الذي لا تصنعه السياسة ولا تفهمه البلاغات الرسمية؛ قلق السنوات التي قضيناها نحث أبناءنا على الاجتهاد، ونقنعهم بأن للكد قيمة، وللاستحقاق معنى، وللنجاح طريقا لا يمر عبر الغش.

لهذا يهمني كثيرا موضوع أجهزة كشف الهواتف المحمولة داخل مراكز الامتحان.

يهمني لأنني أريد لابني أن ينافس بعلمه لا بقدرته على التحايل. وأريد أن أشعر بأن الدولة، وهي تدعو أبناءنا إلى النزاهة، تحرص بدورها على أن تكون أدواتها على القدر نفسه من الجدية والنجاعة.

غير أن ما استوقفني في الجدل الدائر حول هذه الأجهزة ليس مصير صفقة بعينها، ولا أداء جهاز بعينه، بل شيء أعمق من ذلك بكثير.

لقد خطر لي، وأنا أتابع النقاش، أن هذه الحكومة تبدو أحياناً وكأنها واقعة في حب الأدوات.

كلما استعصت عليها معضلة، جاءت بجهاز.

وكلما اشتد عليها النقد، جاءت بمنصة.

وكلما ضاقت الأسئلة، وسّعت دائرة الإعلانات.

حتى أصبح المرء يشعر أن تدبير الشأن العام انتقل من صناعة السياسات إلى صناعة المؤثرات.

في العلوم السياسية، ثمة فرق بين الدولة التي تنتج الحلول، والدولة التي تنتج الانطباع بوجود حلول، الأولى تبني الثقة، أما الثانية فتستهلكها، و هذا هو مربط الفرس، فإذا صح أن أجهزة اقتنيت لمحاربة الغش لم تكن في مستوى الغاية التي جيء بها من أجلها، فإن القضية لا تتعلق بجهاز أخطأ مهمته، بل بعقلية سياسية باتت تعتقد أن الإعلان عن الإنجاز يمكن أن يحل محل الإنجاز نفسه.

وهذا مرض خطير في تدبير الشأن العام.

لأن المواطن قد يُخدع مرة بالصورة، وقد ينبهر مرة بالشعار، وقد يصفق مرة للخطاب، لكنه في الأخير يعود دائما إلى سؤال يفرض نفسه: ماذا تحقق فعلا؟

ولعل ما يثير التأمل أن هذه الحكومة جاءت إلى السلطة محمولة على خطاب الكفاءة والتدبير والنجاعة. وهو خطاب رفع سقف الانتظارات إلى حد غير مسبوق. لكن مشكلة الوعود الكبيرة أنها لا تمنح أصحابها وقتا طويلا للاختباء خلف الأعذار.

فكل وعد يتحول مع الزمن إلى امتحان.

وكل امتحان يحتاج إلى نتيجة، وكل نتيجة تملك عناد الأرقام ..تذكرت جملة "moussa tire le mouton"..و هذا حالنا مع هذه الحكومة..

لهذا لا أرى في قصة أجهزة كشف الغش حادثة معزولة، إنها تبدو لي جزءا من صورة أكبر؛ صورة سلطة تنفيذية ما زالت تراهن، في كثير من الأحيان، على بريق العرض أكثر مما تراهن على صلابة الحصيلة.

فالفرق بين رجل الدولة ورجل التسويق، أن الأول يسأل: ماذا أنجزنا؟ أما الآخر فيسأل، كيف سنعرض ما أنجزناه؟ و إذا طغى السؤال الثاني على الأول، تبدأ المشكلات.

لا أقول أن النوايا سيئة بالضرورة، إنما الواقع لا يخضع لقوانين الإشهار.

مثلا القمح لا يزداد في الحقول استجابة للبلاغات، والمدرسة لا تتحسن بالشعارات.

و النجاعة لا يمكنها أن تولد من رحم المؤتمرات الصحفية.

المواطن و لله الحمد ، أصبح أكثر فطنة من أن يخلط بين الإنجاز وصورته..

ولهذا وجدت مفارقة تكاد تكون ساخرة، لقد اقتنت الدولة أجهزة لكشف الغش داخل قاعات الامتحان، بينما الجدل الذي رافقها كشف شيئا آخر خارج القاعات.

كشف أن المغرب لا يحتاج فقط إلى أجهزة ترصد الهواتف في جيوب التلاميذ، بل يحتاج أيضا إلى حساسية سياسية ترصد الفجوة المتسعة بين الخطاب والواقع.

فالغش، في نهاية المطاف، ليس دائما ورقة مخبأة تحت الطاولة، له أوجه كثيرة،من أسوئها محاولة إقناع الناس بأن النتيجة تحققت قبل أن تتحقق.

وبينما سيجلس ابناي بعد أيام أمام ورقتي امتحان لا تقبلان سوى الأجوبة الدقيقة، أتمنى أن تدرك حكومتنا أن الشعوب أيضا تملك أوراقا للتنقيط.

وأن الزمن، بخلاف بعض الناخبين، لا يمنح نقاطا على النوايا، إنه يصحح على أساس الحصيلة فقط..