فالقضية ليست ما إذا كان نائل العيناوي اختار المغرب عن قناعة عاطفية خالصة أو عن حسابات رياضية أيضا. هذه مسألة تخصه في النهاية. أما ما يستحق النقاش حقا فهو شيء آخر لماذا نصر على إخضاع لاعبي كرة القدم لامتحان وطني لا نخضع له أنفسنا؟
لا أعرف مهنة أخرى يُطلب من أصحابها أن يبرروا خياراتهم بهذا القدر من العاطفة.
لا نسأل الطالب الذي اختار الدراسة في الخارج إن كان الوطن خياره الأول. ولا نسأل الطبيب الذي هاجر إن كانت مشاعره الوطنية حاضرة لحظة اتخاذ القرار. ولا نسأل المستثمر لماذا فضل هذا السوق على ذاك. نحن نتفهم أن البشر يتخذون قراراتهم بناء على خليط من القناعة والطموح والمصلحة والظروف. لكن الأمر يتغير تماما عندما يتعلق بلاعب كرة قدم..يصبح مطلوبا منه أن يثبت أن قلبه سبق عقله، وأن العاطفة كانت أقوى من الحسابات، وأن الوطن كان حاضرا وحده في لحظة الاختيار.
والحال أن هذا ليس وصفا للواقع، بل وصف لما نود أن يكون عليه الواقع.
في تقديري، لا يتعلق الأمر بكرة القدم بقدر ما يتعلق بحاجتنا إلى الرموز. فالجمهور لا يبحث فقط عن لاعب جيد، بل يبحث عن قصة تمنحه شعورا بالاعتزاز. وحين تأتي الوقائع أكثر تعقيدا من القصة، يبدأ التوتر.
لهذا لم يكن مستغربا أن يسارع كثيرون إلى إعادة تفسير تصريحات يونس العيناوي. فالمشكلة لم تكن في مضمونها، بل في أنها اصطدمت بصورة ذهنية مستقرة ♡صورة اللاعب الذي اختار الوطن بدافع واحد، واضح، ونقي..لكن الحياة يا سادة لا تعمل بهذه البساطة.
فالقرارات البشرية الكبرى لا تُصنع من عنصر واحد. والانتماء الحقيقي لا يُقاس بلحظة الاختيار بقدر ما يُقاس بما يليها. فقد يختار شخص ما طريقا لأسباب متعددة، ثم يمنحه لاحقا من الجهد والوفاء أكثر مما يمنحه آخرون اختاروه بدافع عاطفي خالص.
لهذا أرى أن النقاش حول دوافع اللاعبين غالبا ما يخطئ الهدف. فالسؤال ليس لماذا اختار هذا اللاعب المغرب، بل °°ماذا سيقدم للمغرب بعد أن اختاره°°.
أما تحويل الاختيار نفسه إلى امتحان في الوطنية، فذلك يكشف شيئا عن حاجتنا نحن إلى الطمأنينة الرمزية أكثر مما يكشف شيئا عن اللاعبين أنفسهم.
لذلك لم تكشف تصريحات يونس العيناوي شيئا جديدا عن نائل العيناوي، بقدر ما كشفت شيئا عن علاقتنا نحن بالحقيقة. فنحن نتسامح مع الواقع ما دام صامتا، لكننا نضيق به حين يُقال بصوت مرتفع. ولعل مقولة الفيلسوف آرثر شوبنهاور مناسبة جدا في هذا السياق: "كل حقيقة تمر بثلاث مراحل: يسخر منها أولا، ثم تُقاوم بعنف، ثم تُقبل باعتبارها بديهية." وما نرفضه اليوم بوصفه صراحة مزعجة، قد نكتشف غدا أنه لم يكن سوى وصف أمين لما كان الجميع يعرفه منذ البداية..






