رياضة

المال والأعمال وغرفة "الفار"

احمد الدافري (إعلامي)

ربما قاموس كرة القدم العالمية لدى الفيفا، لا يقبل "فوز بلد إفريقي بكأس العالم". 

بل في قاموسها ما يشير فقط إلى فوز بلد أوروبي أو أمريكي لاتيني، بكأس العالم. 


 التفاوضات بين النمسا وألمانيا التي حدثت في كأس العالم 1982 كي يمرا معا إلى الدور الثاني, والتفاوضات التي حدثت بين النمسا والجزائر كي يمرا معا إلى الدور الثاني في كأس العالم الحالي، هي فقط جزء بسيط مما يحدث لجعل الأمور تسير وفق ما يكون مخططا له سلفا، وكي تبقى المسارات تحت السيطرة. 


السنغال ما كان ممكنا أن تتأهل في كأس العالم الحالي للدور الثاني لو انتصرت إيران على مصر، علما أن مصر كانت أقوى من إيران في مباراتهما الثالثة في المجموعة، وحتى لو مصر كانت قد انهزمت ضد إيران وهي هزيمة لم تكن محتملة بحكم أن مصر بدت أقوى من المنتخب الإيراني، كانت ستتأهل إلى الدور الثاني في الرتبة الثالثة بأربع نقط، رفقة بلجيكا وإيران اللذين كانا سيتقاسمان الصدارة والوصافة، وحينها كان عدد المنتخبات الموجودة في الرتبة الثالثة بأربع نقط سيكون هو 8، وكانت لائحة الثوالث ستُغلق، وكانت السنغال ستُقصى لأن لديها ثلاث نقط فقط. 


أمس خرجت جنوب إفريقيا من التنافس على كأس العالم لتبقى 8 منتخبات إفريقية في السباق. 


و بالتأكيد ستتوالى إقصاءات المنتخبات الإفريقية الواحد تلو الآخر. 


المغرب والسنغال لديهما قضية في محكمة التحكيم الرياضية TAS تم تأجيل البت فيها إلى ما بعد المونديال، وذلك كي يبقى ملف هذه القضية ورقة ضغط يمكن ممارستها عند الحاجة.


 فالتفاوض على المكاسب هو أمر يدخل في صلب كل الصفقات التجاربة.


وكأس العالم هو صفقات تجارية كبرى تخضع لمراقبة السياسيين والاقتصاديين الكبار ولضغوطهم، وتأخذ بعين الاعتبار كل ما يجلب الربح، وكل ما له علاقة بالقيم التسويقية الهائلة للاعبين.


فمنتخب يضم لاعبين ينتمون إلى أندية يتحكم مالكوها في سوق كرة القدم العالمية وفي حقوق بث مبارياتها، لا يستوي مع منتخب ليس له قيمة ولا وزن في خريطة النفوذ المالي المرتبط بكرة القدم. 


المنتخب المغربي هو الوحيد في إفريقيا إلى اليوم الذي تمكن من بلوغ مباراة نصف نهاية كأس العالم، في النسخة الماضية في قطر، وخسرها ضد منتخب فرنسي كان مدججا بالنجوم، وحضرها الرئيس الفرنسي نفسه حرصا منه على أن يفوز بلده بها، وكانت القيمة التسويقية لمنتخب فرنسا حينها حوالي 1,03 مليار يورو، في حين كانت القيمة التسويقية للمنتخب المغربي تقدر فقط بحوالي 241,1 مليون يورو. 


آسيا بقواها الاقتصادية الكبرى، كاليابان والصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة والهند والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والجزء الأسيوي من روسيا، لم تفز أي دولة منها بكأس العالم، وأفضل رتبة حققتها هذه المنطقة، هي الرتبة الرابعة التي حصلت عليها كوريا الجنوبية في نسخة كأس العالم 2002 التي استضافتها على أرضها بتنظيم مشترك مع اليابان، بعد خسارتها أمام تركيا في مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع.


أما قارة أمريكا الشمالية والوسطى (الكونكاكاف)، فإن أفضل إنجاز تاريخي لها في كأس العالم هو المركز الثالث الذي حققه منتخب الولايات المتحدة في النسخة الأولى للمونديال عام 1930 بالأوروغواي، حيث كان وقتذاك قد تأهل لنصف النهائي واحتسب له المركز الثالث تاريخيا بحسب السجلات الرسمية للفيفا.


أما في العصر الحديث فإن أفضل إنجاز في كأس العالم لمنطقة الكونكاكاف، هو وصول منتخب المكسيك إلى ربع النهائي في نسختي 1970 و1986 اللتين أقيمتا على أرضه، إلى جانب وصول الولايات المتحدة الأمريكية لربع النهائي عام 2002.


المنتخب الكندي مستضيف البطولة الحالية بالاشتراك مع المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية، كتب لنفسه تاريخا جديدا في هذه النسخة بعد تجاوزه دور المجموعات بنجاح للمرة الأولى في تاريخه، وفوزه في دور الـ 32 على منتخب جنوب إفريقيا بنتيجة هدف لصفر، إذ قبل هذه النسخة، لم تكن كندا قد تخطت دور المجموعات أو حصدت أي نقطة في تاريخ مشاركاتها السابقة من 1986 إلى 2022. 


اليوم سينازل المنتخب المغربي في دور 32 منتخب هولندا في الساعة الثانية بعد منتصف الليل بتوقيت المغرب. 

وهما منتخبان حتى إن كانا متقاربين من حيث الأداء والإبداع الكروي، فهما متباعدان من حيث القيمة المالية، وتأثير اللاعبين في بورصة أسواق الانتقالات وميزانيات الفرق التي ينتمون إليها. 


القيمة التسويقية للمنتخب الهولندي تبلغ حاليا حوالي 837,20 مليون يورو، في حين تُقدر القيمة التسويقية للمنتخب المغربي بنحو 488,20 مليون يورو حسب أحدث بيانات موقع ترانسفرماركت. 


ميزانيات الأندية التي يلعب لها لاعبو منتخب هولندا تتفوق بفارق مالي شاسع على ميزانيات أندية لاعبي المنتخب المغربي.

 ويتركز الهيكل الأساسي للمنتخب الهولندي في أندية تُصنف ضمن الأعلى إيرادا وميزانية في العالم مثل ليفربول، مانشستر سيتي، مانشستر يونايتد، أرسنال، برشلونة، بايرن ميونخ، دورتموند، آسي ميلان، أنتر ميلان، يوفنتوس، وهذه الأندية منها ما تتجاوز الميزانية السنوية لكل منها حاجز 600 إلى 800 مليون يورو.


أما المنتخب المغربي، باستثناء النجم أشرف حكيمي الذي يلعب مع باريس سان جيرمان وهو أحد أغنى أندية العالم بميزانية تقارب 700 مليون يورو، فإن بقية ركائزه يتوزعون على أندية من الفئة المتوسطة لا تقارن بعمالقة إنجلترا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا، بل إن هناك لاعبين مغاربة يمارسون في الدوري المغربي المحلي مثل الحارسين منير المحمدي وأحمد رضا التكناوتي، بميزانيات محدودة جدا. 


القيمة الإجمالية لرواتب لاعبي هولندا في أنديتهم تتجاوز ضعف ما يتقاضاه لاعبو المغرب إجمالا، والقدرة المالية للأندية التي ينشط فيها الهولنديون تتيح لهم دخول سوق الانتقالات بصفقات تتجاوز الستين والثمانين مليون يورو للاعب الواحد، وهو ما لا تستطيعه أغلب الأندية التي يلعب لها نجوم أسود الأطلس.


 الميزانية المجمعة للأندية التي تمثل القوام الأساسي لهولندا تتفوق بمليارات اليوروهات على الميزانية المجمعة لأندية لاعبي المغرب.

والمال لابد أن يؤخذ بالاعتبار. 

فقد يبيعك ويضربك من تعتبره حليفا لك بسبب المال، حتى لو تطلب ذلك أن يستعين بأسلحة "غرفة الفار". 


وهذا ما كان.