يثير لجوء الفدرالية الديمقراطية للشغل إلى مجلس المنافسة لطلب استشارة بشأن ولوج فئة من كتاب الضبط إلى مهنة المحاماة، وكذا رسوم الانخراط، تساؤلاً مشروعًا حول مدى ملاءمة الإطار المؤسساتي الذي اختير لمعالجة هذه القضية.
فإذا كان مطلب كتاب الضبط يتمحور حول الولوج إلى مهنة المحاماة، فإن جوهر الإشكال لا يتعلق بالمنافسة الاقتصادية، وإنما يرتبط بالتشغيل، والحركية المهنية، والترقية الاجتماعية، وتكافؤ الفرص والمساواة في الولوج إلى المهن. وهي موضوعات تندرج بطبيعتها ضمن السياسات العمومية والحوار الاجتماعي، أكثر مما تندرج ضمن قانون المنافسة.
ذلك أن قانون مهنة المحاماة ليس قانونًا لتنظيم السوق أو تحرير المنافسة، وإنما هو قانون يؤطر مهنة حرة ذات تنظيم ذاتي، تضطلع بوظيفة دستورية في حماية حقوق الدفاع والإسهام في إقامة العدالة. ومن ثم، فإن شروط الولوج إليها لا تستمد مشروعيتها من منطق العرض والطلب، وإنما من اعتبارات المصلحة العامة، واستقلال المهنة، وضمان الكفاءة، وحسن سير العدالة.
ومن هذه الزاوية، يصعب اعتبار النقاش حول ولوج كتاب الضبط إلى المهنة نزاعًا في مجال المنافسة الاقتصادية، لأن الأمر لا يتعلق بإزالة عوائق تحول دون دخول فاعلين إلى سوق اقتصادية، خاصة وأنهم موظفون عموميون وليسوا فاعلين اقتصاديين يبحثون عن تأمين تشريعي عن البطالة المستقبلية ؛ وإنما بإيجاد التوازن بين حق فئة مهنية في الارتقاء الاجتماعي وبين متطلبات تنظيم مهنة دستورية ذات طبيعة خاصة.
وهنا تبرز أولى المفارقات؛ فالمطلب الحقيقي لكتاب الضبط لا ينصرف إلى حرية المنافسة، وإنما إلى التشغيل والترقية الاجتماعية، استنادًا إلى مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص. وهي مبادئ دستورية ذات بعد اجتماعي، وليست قواعد من قواعد المنافسة الاقتصادية.
وانطلاقًا من ذلك، كان من الأجدر أن يثار هذا الموضوع أمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، باعتباره المؤسسة الدستورية المختصة بإبداء الرأي في القضايا الاقتصادية والاجتماعية والمهنية، والقادرة على استحضار أبعاد الملف الاجتماعية والحقوقية والمؤسساتية، بدل اختزاله في زاوية المنافسة.
وتزداد هذه المفارقة وضوحًا إذا استحضرنا الموقع الدستوري لمجلس المستشارين، الذي يضم في تركيبته ممثلي النقابات والمنظمات المهنية والجماعات الترابية، ويضطلع بدور أساسي في مناقشة التشريعات والسياسات العمومية ذات الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية. فلو تعلق الأمر فعلًا بقضية تشغيل وترقية اجتماعية، فإن فضاءها الطبيعي هو المؤسسات المعنية بالحوار الاجتماعي والسياسات العمومية، لا المؤسسة المكلفة بحماية المنافسة.
وتبرز هنا مفارقة أخرى، تتمثل في أن إحدى المجموعات الاستشارية بمجلس المستشارين سبق أن اقترحت إخضاع مالية هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، وهو ما أثار نقاشًا دستوريًا واسعًا حول حدود اختصاص المجلس الأعلى للحسابات والطبيعة القانونية لهيئات المحامين ومبدأ التنظيم الذاتي للمهن الحرة. وكأن النقاش حول المحاماة أصبح، في كل مرة، يُحال إلى مؤسسات لا تختص أصلًا بتنظيم المهنة أو تحديد نظامها القانوني.
ولا تقف المفارقات عند هذا الحد، بل تمتد إلى منهجية الرأي الاستشاري الصادر عن مجلس المنافسة، الذي بدا، في حدود ما نُشر منه، وكأنه ينظر إلى الموضوع من زاوية تنافسية محضة، دون استحضار المرجعيات الدستورية والدولية المنظمة للمهن القانونية.
فالرأي لم يظهر أنه استند إلى المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين المعتمدة من الأمم المتحدة سنة 1990، كما لم يتفاعل مع التقارير والاجتهادات الصادرة عن المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، والتي تؤكد أن تنظيم مهنة المحاماة لا يجوز أن يخضع لمنطق السوق وحده، بل ينبغي أن يوازن بين الانفتاح على الكفاءات وضمان استقلال المهنة ورسالتها في خدمة العدالة وسيادة القانون.
ومن هنا يثور سؤال يتجاوز هذه القضية الجزئية إلى الاختيارات الدستورية الكبرى: كيف يمكن الحديث عن الانحياز إلى الدولة الاجتماعية، في الوقت الذي تؤسس فيه بعض التوصيات على منطق ليبرالي يغلب معيار المنافسة الاقتصادية على الاعتبارات الاجتماعية والدستورية؟.
إن دستور 2011 لم يجعل اقتصاد السوق غاية في ذاته، بل قرنه بالعدالة الاجتماعية، والتضامن، وتكافؤ الفرص، وربط الحرية الاقتصادية بالمصلحة العامة. أما مهنة المحاماة، فليست سوقًا تجارية حتى تقاس بمعيار العرض والطلب، وإنما هي مرفق مهني مستقل يؤدي وظيفة دستورية في حماية الحقوق والحريات وضمان المحاكمة العادلة.
ومن ثم، فإن اختزال شروط الولوج إلى المهنة في معيار المنافسة الاقتصادية وحده، مع إغفال أبعادها الدستورية والاجتماعية والحقوقية، ينقل النقاش من مجاله الطبيعي إلى مجال آخر لا يعكس حقيقة الإشكال.
فالرهان الحقيقي ليس توسيع السوق، وإنما تحقيق التوازن بين حق المواطنين في تكافؤ الفرص، وحق المجتمع في محاماة مستقلة وقوية، قادرة على أداء رسالتها الدستورية بعيدًا عن منطق السوق، وبعيدًا كذلك عن أي وصاية مؤسساتية تمس استقلال تنظيمها الذاتي.
لذلك، فإن النقاش حول ولوج كتاب الضبط إلى مهنة المحاماة لا ينبغي أن يدار بمنطق المنافسة الاقتصادية، وإنما بمنطق الدولة الاجتماعية، والسياسات العمومية، والحوار المؤسساتي، واحترام الاختصاصات الدستورية، مع الاستئناس بالمعايير الدولية المنظمة لاستقلال مهنة المحاماة، حتى يظل الإصلاح منسجمًا مع فلسفة الدستور، لا مع مقتضيات السوق وحدها.
إشارة ذات صلة مصادفة ” سياسية ” بالموضوع ، رأي مجلس المنافسة صدر في نفس اليوم الذي انتخب فيه الدكتور إدريس الكراوي الرئيس السابق لمجلس المنافسة نائبا لرئيس المجلس العالمي للعمل الإجتماعي . والذي سبق ان تم عزله لمجرد.إبداء رأي حول المحروقات . إنها إشارة واضحة لا تحتاج إلى تاويل او تحويل !.






