من عادتي ألا أنظر إلا إلى الجزء الفارغ من الكأس، فلا أنتشي بالجزء المملوء؛ فهو إن امتلأ، فإن الفراغ يجاوره في الكأس ذاته؛ تماما مثل البنيان الذي لم يكتمل، لذلك كنت من الذين لم يقنعهم نصر دور الثمن أمام كندا، لأن النتيجة إن جاءت باهرة، فإن المباراة أظهرت كثير من الخلل في المنظومة العامة لهذا الفريق، ولا شك في أن الخصوم المحتملين في الأدوار القادمة ومحلليهم في الأداء قد التقطوا هذه المواطن، وسيشتغلون عليها.
من حسنات المباريات الخمس الأولى في المونديال، أن المنتخب المغربي واجه كل الأساليب المحتملة في الكرة العصرية، بدء بأسلوب اللعب المفتوح (البرازيل) الذي يجعل الكرة سجالا في الملعب، بعد ذلك واجه " التمركز الدفاعي المتوسط " (Le bloc médium) مع اسكتلندا، وكان من حظه أن هولندا اختارت "الكتلة المنخفضة" (le bloc bas )، وفي مختلف هذه الأشكال كان المنتخب المغربي مرتاحا ، لكن مدرب كندا الأمريكي جيسي مارش لاحظ أن المنتخب المغربي كان يجد صعوبات عندما يواجه ب " الضغط العالي " (Le bloc haut)، وبدا ذلك في المباراة النهائية لكأس إفريقيا للأمم بالرباط أمام السينغال ثم أمام هايتي في الدور الأول ، فاستنسخ الخطة التي دخل بها مدرب منتخب السينغال بابي ثياو في نهائي كأس إفريقيا للأمم ، وكانت التعليمات التي أعطاها للاعبيه منع منتخب المغرب من تطوير طريقة لعبه بكل السبل ولو اقتضى ذلك استعمال الخشونة ، وبالفعل نجح في شل حركة المنتخب المغربي خلال الشوط الأول تماما كما فعل بابي ثياو منذ ستة أشهر بالرباط.
لقد أظهرت المباراة مجموعة من الحقائق منها:
يجد المنتخب المغربي صعوبات جمة عندما يواجه بالضغط العالي، فلا يستطيع تطوير لعبه، بل إن ذلك يؤثر في نفسية اللاعبين، بدليل البطائق الصفراء التي حصدوها، وهو ما يستدعي من وهبي الاشتغال على هذه النقطة وإيجاد الحلول؛
علاقة بالنقطة السابقة، يلاحظ أن منتخب 2026 هو أقل جودة من منتخب 2022 في التحولات الهجومية les transitions offensives، مما يعني أن المنتخب لم يستطع إيجاد بديل لحكيم زياش الذي كان يقوم بهذا الدور أو حتى محمد التيمومي في منتخب 1986 والطاهر لخلج في 1998، وأن إبراهيم دياز وأوناحي عاجزان عن أداء ذات الدور...
خلال مباراة كندا، ظهر خلل كبير في وسط الميدان الدفاعي للمنتخب، فقد خسر كل الالتحامات الجسدية في وسط الميدان سواء في الكرات الأرضية أو العالية ولم يسترد إلا كرات قليلة، الأدهى من ذلك أنه قام بعد تمريرات خاطئة كادت تكلف المغرب غاليا، وربما لم يعد نوع من التوازن، إلا بدخول سفيان أمرابط، ما يجعلني أعتقد أن الاعتماد على أيوب بوعدي كان خطأ، إذ لا ينبغي اقحامه أمام منتخب مندفع بدنيا.
علاقة بالنقطة السابقة، يمكن القول إن الاستخلاصات في الوسط، والتي أدت إلى تحولات هجومية، أثمرت أهدافا، لم تكن إثر نزالات فردية، وإنما كانت نتيجة استغلال فضلات (Déchets) لعب المنتخب الكندي.
ظهر أيضا أن نقطة الضعف الأساسية للمنتخب المغربي هي في متوسط دفاعه، إذ سهل على الخصم في كثير من الحالات الوصول إلى المرمى ولولا وجود ياسين بونو لتلقى المنتخب أكثر من هدف، وهو في الحقيقة رجل المباراة لأنه هو الذي أبقى فريقه في دائرة المنافسة.
لا أعتقد أن حكيمي، يجب أن يقدم أدواره الهجومية على دوره الدفاعي، لأن النقص في متوسط الدفاع يفرض عليه أن لا يغامر كثيرا، فمساندة الدفاع ضرورة، ولا قياس لدوره مع باريس سان جرمان مع دوره في المنتخب، بدليل أن أغلب الأخطار في المباريات الخمس كانت تأتي من جهته أكثر من جهة نصير المزراوي.
الخلاصة أن وهبي، يجب أن يصلح الهنات الملحوظة في أداء الفريق إذا كان يهدف الوصول إلى أبعد من دور الربع، فهو سيواجه منتخبا يختلف عن كل ما سبق مقابلته آنفا، ومرشح فوق العادة للفوز بالكأس، ولديه هجوم ووسط مرعبين، لذا يحتاج إلى معجزة من السماء للخروج من هذا اللقاء سالما، اللهم إذا استطاع أن يفك شفرة الثعلب ديشان ..






