في عالم السياسيين، غالباً ما تكون اللحظات الأكثر حرجا هي تلك التي يدرك فيها الزعيم أن أوراقه قد احترقت، وأن هواتف الجهات العليا التي كانت لا تهدأ بالأمس، أصيبت بعطل تقني مقصود. وهذا بالضبط ما ينطبق على بنكيران الذي عاش ذهبيته السياسية بين عامي 2011 و2016، حيث كان هاتف الجهات العليا قريباً، وحيث كان مخاطبا وجليسا لم يحفظ يوما أمانة مجلس.
واليوم، وفي ظل طوق الصمت المضروب حوله وانقطاع تلك الاتصالات، أصيب الرجل بحالة من الغضب السياسي المكتوم. فلجأ ألى الخبط اللغوي والسياسي، فيضرب يمنة ويسرة، علّ رنيناً ينبعث من هاتف صامت، أو علّ مسؤولاً معيناً يتصل به ليطلب منه التهدئة، متناسيا أنه برعونته يجرّ حزبه جرا نحو هاوية سحيقة، في مغامرة غير محسوبة العواقب.
ذو المعاش الريعي لم يعد يرى في التحالف الحكومي خصما يستحق عناء المناورة بعدما واجهه أقرانه بلغة التجاهل واللاهتمام وكأنه مجنون، بل إن مشكلته الحقيقية باتت مع منظومة الحكم ذاتها. ورغم لغة التملق البلاغي والمداراة التي يغلّف بها خطاباته، فإن الرسائل المشفرة تحاول يائسة الضغط على الدوائر العليا.
بنكيران يدرك جيدا أنه فقد شرعية الأرض وانفض القوم من حوله، وتآكّل رصيده الشعبي في صناديق الاقتراع والتجمعات الجماهيرية، لذلك اختار سياسة القفز إلى الأمام، متبنياً استراتيجية الابتزاز السياسي للدولة كأداة للمقايضة، ضاغطاً بلسانه الطويل وجبهته العريضة للحصول على ما يراه "نصيبه الانتخابي" المفترض، خارج منطق الصناديق وشرعية الإنجاز.
هذا التخبط يظهر جلياً في لعبة الحبال المتناقضة، فتارة يدّعي مغازلة جهات غامضة توحي له بالدعم، وتارة أخرى يستدعي المؤسسة الملكية في كل خطاباته لشرعنة وجوده، وفي نفس الوقت، يوجه سهام نقده للمحيط الملكي. إنها مناورة كلاسيكية من كتاب قواعد قديم: هاجم المحيط ليلتفت إليك المركز. فلم يعد بنكيران يؤمن بالشرعية الانتخابية التي طالما تغنى بها؛ لقد استبدلها بمنطق الكعكة. رسالته الضمنية لصناع القرار واضحة ولا لبس فيها "تحدثوا معي حتى أسكت، عاهدوني على نصيبي حتى أصمت". هو لا يبحث عن أفق سياسي للحزب، بل عن اعتراف بشخصه كمخاطب لا غنى عنه.
الخطورة في المشهد الراهن تكمن في قناعة هذا العجوز السياسي بأنه لم يعد لديه ما يخسره وأنه وصل إلى درجة صفر مكتسبات متبقية، وهي الدرجة الأخطر على الإطلاق في ايديولوجية الإسلام السياسي، وهو ما جعله يتحرر من كوابح العقلانية والتوقير والمناورة الحذرة، وينتقل إلى مربع الانتحار السياسي. وعندما يصل الزعيم إلى هذه المرحلة النفسية والسياسية، فإنه يتحول إلى قنبلة موقوتة داخل بيته التنظيمي قبل خارجه.
أنذاك سيضع حزبه بين خيارين: إما أن يحصل على الاتصال المرتجى والمكانة المتخيلة، أو يدفع بالحزب كاملاً إلى الانهيار السياسي وفقدان ما تبقى له من مستقبل. إنه العزف الأخير على أوتار مقطوعة، في محاولة بائسة لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 2016 والتلويح بالاحتجاجات والانتفاضات، لكن التاريخ كما يُعلمنا دائماً أنه لا يعيد نفسه وإذا أعاده فلربما سيكون بشكل مأساوي على حزب العدالة والتنمية قد ترجعه إلى ما قبل 1997.






