تحليل

السياسة العمومية: من وفرة المصطلحات إلى ندرة الأثر

إدريس الفينة (محلل اقتصادي)

مناسبة المقال عدد من السياسات يُعلن عنها دون تقييم حقيقي للجدوى. لقد أصبحنا أمام مأزق حقيقي لهذا المفهوم وكيفية استعماله من قبل المسؤولين.

 

كثيرة هي المصطلحات التي نستعملها في المجال العمومي: استراتيجية، برنامج، مخطط، خطة عمل، رؤية، خارطة طريق، سياسة عمومية. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في كثرة الأسماء، بل في ضعف النتائج. فليس كل ما يُسمى استراتيجية هو فعلاً استراتيجية، وليس كل برنامج حكومي يمكن اعتباره سياسة عمومية بالمعنى الدقيق للكلمة.

 

السياسة العمومية ليست وثيقة جميلة الصياغة، ولا عرضاً مؤسساتياً مليئاً بالشعارات، ولا لائحة طويلة من النوايا. السياسة العمومية هي تدخل منظم للدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية من أجل معالجة مشكل واضح، بوسائل محددة، وميزانية مضبوطة، وأهداف قابلة للقياس، وآثار يمكن تقييمها بعد مدة زمنية معينة.

 

من هنا يبدأ السؤال الجوهري: كيف ننتقل من إنتاج الوثائق إلى إنتاج الأثر؟ وكيف يمكن وضع سياسة عمومية فعالة، بكلفة معقولة، ونتائج واضحة، ومؤشرات تقييم دقيقة؟

 

أول شرط لنجاح أي سياسة عمومية هو التشخيص الدقيق. لا يمكن معالجة مشكل غير مفهوم. كثير من السياسات تفشل لأنها تنطلق من توصيف عام وفضفاض، بدل الانطلاق من معطيات دقيقة حول طبيعة المشكل، وحجمه، وأسبابه، والفئات المعنية به، وتوزيعه المجالي والاجتماعي. فسياسة التشغيل، مثلاً، لا يمكن أن تنجح إذا تعاملت مع البطالة كرقم عام فقط، دون التمييز بين بطالة الشباب، وحاملي الشهادات، والنساء، والوسط القروي، والقطاعات القادرة فعلاً على خلق فرص الشغل.

 

ثاني شرط هو تحديد الأولويات. الدولة لا تستطيع أن تفعل كل شيء في الوقت نفسه، وبنفس القوة، وبنفس الموارد. لذلك، فالسياسة العمومية الجيدة هي التي تختار بدقة أين تتدخل، ولماذا، وبأي أدوات. أما السياسات التي تريد معالجة كل شيء دفعة واحدة، فغالباً ما تنتهي إلى نتائج ضعيفة، لأن الموارد تتشتت، والمسؤوليات تضيع، والأثر يصبح غير قابل للقياس.

 

ثالث شرط هو ربط الأهداف بالموارد. لا معنى لسياسة عمومية تعلن أهدافاً كبرى دون أن تحدد الكلفة، ومصادر التمويل، والموارد البشرية، والآجال، والمؤسسات المسؤولة عن التنفيذ. فالفرق كبير بين إعلان نية إصلاح قطاع معين، وبين بناء سياسة عمومية تحدد بدقة: من يفعل ماذا؟ متى؟ وبأي ميزانية؟ وبأي نتيجة منتظرة؟

 

رابع شرط هو اعتماد مؤشرات تقييم واضحة منذ البداية. لا ينبغي انتظار نهاية البرنامج للسؤال عن نتائجه. يجب أن تكون مؤشرات النجاح والفشل محددة قبل انطلاق التنفيذ. هل نريد خفض البطالة؟ بأي نسبة؟ وفي أي فئة؟ خلال كم سنة؟ هل نريد تحسين جودة التعليم؟ بأي مؤشر: نسب التمدرس، ونسب الانقطاع، ومستوى التعلمات، وإدماج الخريجين؟ بدون مؤشرات دقيقة، تتحول السياسة العمومية إلى خطاب عام يصعب تقييمه ومحاسبة المسؤولين عنه.

 

خامس شرط هو البحث عن الفعالية بأقل كلفة ممكنة. ليست السياسة العمومية الناجحة هي بالضرورة الأكثر إنفاقاً، بل الأكثر قدرة على تحويل الموارد إلى نتائج. في بعض الأحيان، يكون الإصلاح التنظيمي أو الرقمي أو القانوني أقل كلفة وأكثر أثراً من بناء برامج ضخمة تستهلك ميزانيات كبيرة دون مردودية واضحة. لذلك، يجب أن يصبح سؤال الكلفة مقابل الأثر سؤالاً مركزياً في كل تدخل عمومي.

 

سادس شرط هو التنسيق بين الفاعلين. كثير من السياسات تفشل لأن كل قطاع يشتغل بمنطقه الخاص، دون انسجام مع القطاعات الأخرى. فسياسة السكن ترتبط بالنقل، والتشغيل، والتعليم، والصحة، والتعمير. وسياسة الاستثمار ترتبط بالتكوين، والعقار، والتمويل، والقضاء، والإدارة، والجبايات. عندما تغيب الرؤية المندمجة، تتحول السياسات العمومية إلى جزر معزولة، ويضيع الأثر الجماعي.

 

كما أن إشراك المواطن والفاعلين المحليين لم يعد ترفاً. السياسة العمومية التي تُصمم من الأعلى فقط قد تكون جيدة على الورق، لكنها قد تصطدم بواقع اجتماعي ومجالي مختلف. لذلك، فالإصغاء إلى المواطنين، والمقاولات، والجماعات الترابية، والنقابات، والخبراء، والفاعلين المدنيين يسمح ببناء سياسات أكثر واقعية وأقرب إلى الحاجيات الفعلية.

 

إن ضعف عدد من السياسات العمومية لا يعود دائماً إلى غياب النوايا، بل إلى ضعف المنهجية. لدينا أحياناً وثائق كثيرة، ولجان عديدة، ومفاهيم جذابة، لكننا نفتقد الحلقة الحاسمة: تحويل الفكرة إلى أثر قابل للقياس.

 

السياسة العمومية الحقيقية هي التي تبدأ بسؤال بسيط: ما المشكل الذي نريد حله؟ ثم تضيف إليه أسئلة أكثر دقة: لماذا ظهر هذا المشكل؟ من يتضرر منه؟ ما الكلفة الحالية لعدم معالجته؟ ما البدائل الممكنة؟ ما الحل الأقل كلفة والأكثر أثراً؟ من سيتحمل المسؤولية؟ ومتى سنعرف أن السياسة نجحت أو فشلت؟

 

بدون هذه الأسئلة، سنستمر في إنتاج الاستراتيجيات والبرامج والخطط، لكن دون جدوى كبيرة. أما إذا تحولت السياسة العمومية إلى أداة عقلانية للتشخيص، والتدخل، والتقييم، والمحاسبة، فإنها يمكن أن تصبح واحدة من أهم آليات تحسين أداء الدولة، وترشيد المال العام، وإنتاج الثقة بين المواطن والمؤسسات.

 

لا تحتاج الدولة فقط إلى سياسات كثيرة، بل إلى سياسات ذكية، دقيقة، قابلة للتنفيذ، منخفضة الكلفة نسبياً، وعالية الأثر. فالقيمة الحقيقية لأي سياسة عمومية لا تُقاس بما تعلنه، بل بما تُغيره فعلاً في حياة الناس.