في البدء كانت المرافعة؛ فقبل أن تُسن القوانين، وتُبنى المحاكم، وتُؤسس المؤسسات، كان الإنسان يبحث عن كلمة تدفع الظلم، وعن حجة تقاوم الغلبة، وعن صوت ينوب عن المستضعف في مواجهة القوة. ومن هذا المعنى وُلدت المحاماة رسالةً قبل أن تصبح مهنة، وضميرًا للعدالة قبل أن تكون تنظيمًا قانونيًا.
ولذلك، فالمحاماة ليست قضية فئوية، ولا مجرد مهنة تخضع لمنطق السوق أو لتوازنات المصالح، وإنما هي قضية دستورية وضرورة قانونية ومؤسسية. وليست مادة لصناعة الحقيقة الإعلامية، ولا فرصة للمزايدات الانتخابية أو لتصفية الحسابات الشخصية، بل مدخلٌ لنقاش عمومي مسؤول حول مستقبل العدالة ودولة الحق والقانون.
لقد شكلت المحاماة، باعتبارها رسالة للدفاع عن الحقوق والحريات، أحد صمامات الأمان ضد الانهيار القيمي، وإحدى الضمانات الأساسية للحد من مظاهر الدولة الرخوة. ومن هنا، فإن استهدافها لا يقتصر على تنظيمها المهني، بل يمتد إلى وظيفتها الدستورية ورسالتها الحقوقية. وإذا كانت هيئة الإنصاف والمصالحة قد أوصت بإصلاحات سياسية ومؤسساتية وقضائية لضمان عدم تكرار الانتهاكات، فإن المحاماة المستقلة تعد إحدى أهم الآليات العملية لتفعيل تلك التوصيات، لأنها تؤمن حق الدفاع، وتحصن المحاكمة العادلة، وتراقب مشروعية ممارسة السلطة.
وكان المنتظر، بعد دستور 2011، أن تتبوأ المحاماة مكانة متقدمة ضمن ورش الإصلاح الدستوري والمؤسساتي، باعتبارها شريكًا في بناء استقلال السلطة القضائية وترسيخ دولة القانون. غير أن مسار الإصلاح تعثر، وتحولت المحاماة، في كثير من المحطات، إلى موضوع للتجاذب السياسي، بل واستعملت أحيانًا لتبرير انسداد الأفق الإصلاحي الذي رافق العهد الجديد، بدل أن تكون رافعة لتجديد الثقة في المؤسسات.
ولا يمكن إنكار ما تعانيه المهنة من اختلالات في مجالات التأهيل والكفاءة والتخليق والحكامة. غير أن هذه الأزمة ليست معزولة، بل هي انعكاس لأزمة بنيوية أصابت مختلف مؤسسات الدولة والتنظيمات الذاتية والأحزاب والنقابات والهيئات الوسيطة. فقد فرضت الخيارات السياسية والاقتصادية والمالية منطق السوق على مجالات يفترض أن تحكمها قيم العدالة والمصلحة العامة، فتقاطعت مظاهر الريع مع اختلالات الحكامة، واتسعت دوائر التأثير المتبادل بين المؤسسات.
ولهذا، فإن إصلاح المحاماة بمعزل عن إصلاح شامل لمنظومة العدالة سيظل إصلاحًا ناقصًا. فالمنظومة لم تتحرر بصورة كاملة من آثار الهيمنة التاريخية للسلطة التنفيذية، ولا يزال تأثيرها الرمزي والمؤسساتي حاضرًا في عدد من مجالات تدبير العدالة. كما أن جزءًا من التنظيمات الذاتية أصبح، في بعض تجلياته، عرضة لاختراق اقتصاد الريع وشبكات الفساد، بما أضعف رسالتها الأصلية.
إن المحاماة، بحكم طبيعتها، تحتضن مختلف الفئات الاجتماعية والتيارات الفكرية والحساسيات السياسية، وتعكس التنوع الحقيقي للمجتمع المغربي. ولذلك يصعب احتواؤها أو إلغاؤها أو اغتيالها، ماديًا أو رمزيًا، لأنها ليست تنظيمًا مغلقًا، بل امتداد للتشكيلة الاجتماعية والاقتصادية الوطنية، وتجسيد لدينامية الزمن السياسي بكل تحولاته.
غير أن حقيقتها الأعمق لا تكمن في هذا الامتداد الاجتماعي، بل في رسالتها التاريخية. فهي تنتمي إلى الزمن الطويل للأمة، زمن الدفاع عن الحرية والكرامة والحق، أكثر مما تنتمي إلى الزمن الانتخابي العابر. واستقلالها عن السلطة ليس امتيازًا مهنيًا، بل ضمانة دستورية للمجتمع بأسره، حتى تؤدي دورها باعتبارها جزءًا من منظومة العدالة، لا مجرد "مساعد للقضاء"، وهو توصيف لم يعد يعكس المكانة الدستورية التي أضحت تحتلها في الدولة الدستورية الحديثة.
ولذلك، فإن مستقبل المحاماة ليس شأنًا يهم المحامين وحدهم، بل يهم كل من يؤمن بأن العدالة لا تستقيم إلا بدفاع مستقل، وأن الحقوق لا تصان إلا بصوت حر، وأن الكلمة، حين تحملها رسالة نبيلة، تظل أقوى من كل أدوات الإكراه.
لقد اتجه التشريع، في نظر كثير من الفاعلين والمهتمين، إلى تضييق هامش استقلالية المحاماة، ليس فقط باعتبارها مهنة، بل أيضًا باعتبارها رسالة دستورية في حماية الحقوق والحريات، وذلك على المستويين المادي والرمزي. فكلما امتدت يد السلطة إلى التنظيمات الذاتية المستقلة بما ينتقص من استقلالها، تعرضت إحدى ركائز دولة القانون للاهتزاز، وانعكس ذلك على الحق في الأمن من الخوف والحق في الأمن من الحاجة، باعتبارهما من المقومات الأساسية للأمن الإنساني. وعند هذه النقطة يبرز سؤال دستوري مشروع: إذا كانت المحاماة قد حظيت بمكانة دستورية لتمارس وظيفتها باستقلال، فما جدوى هذه الدسترة إذا أصبح التشريع نفسه وسيلة لتقليص مضمون ذلك الاستقلال بدل تعزيزه وحمايته؟
ففي البدء كانت المرافعة... وستظل الكلمة الأخيرة، في دولة القانون، لحامل الرسالة النبيلة، لا لحامل السلطة.






