قضايا

أزمة الخطاب الحزبي بالمغرب.. من سمو الأيديولوجيا إلى ابتذال القاموس السياسي

خالد مصباح (فاعل حقوقي ومهتم بقضايا حقوق الانسان)

تقديم :

يشهد المشهد السياسي المغربي في الآونة الأخيرة تحولا مقلقا يمس في العمق جوهر الممارسة الديمقراطية ونبل العمل الحزبي. فبعد عقود من الصراع الفكري والأيديولوجي الرصين الذي طبع تاريخ المغرب الحديث، إنحدر الخطاب السياسي لدى طيف واسع من الفاعلين الرئيسيين إلى مستويات غير مسبوقة من التدني والانحطاط اللغوي والتواصلي، وهذا التراجع لم يعد مجرد كبوة عابرة، بل تحول إلى سلوك بنيوي يهدد بتمييع الفعل السياسي وتجريده من حمولاته الأخلاقية والقيمية.

تشخيص الأزمة: من الهوية الفكرية إلى التنميط والتقليد.

إن الجذور الحقيقية لإنحطاط القاموس السياسي بالمغرب ترتبط ارتباطا وثيقا بـتخلي الأحزاب السياسية عن هوياتها الأيديولوجية والمرجعية الفكرية التي تاسست وفقها.

غياب التمايز الفكري:

تحولت أغلب الهيئات السياسية إلى نسخ متشابهة تفتقر إلى البوصلة الفكرية، ودخلت في نمطية مفرطة جعلت المواطن عاجزا عن التمييز بين برامجها.

وذلك من خلال الفراغ البرنامجي وعجز هذه الأحزاب عن إنتاج حلول مبتكرة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، دفعها إلى ملء هذا الفراغ الفكري بالاعتماد على التواصل المشهدي السطحي والشعبوية اللفظية كبديل عن النقاش العقلاني والعلمي المنتج.

تجليات التردي اللغوي في الحقل السياسي

لقد انتقل المعجم المستعمل من قاعات المؤتمرات والندوات الفكرية إلى قاموس الشارع، مستعيرا ألفاظا مشحونة بالسب، والقذف، والاستهزاء، والتمييع الإرادي للنقاش، ومن ذلك مثلة كثيرة وصارخة من الواقع المغربي على سبيل المثال : - التراشق بـمفردات الشارع عبر استخدام زعماء وقادة أحزاب لمصطلحات بديئة من قبيل "البلطجة"، "الشفارة" اللصوص، "التماسيح والعفاريت"، "القنادح" و"النانضبة" الخ....، أو وصف الخصوم بـالمرتزقة والبيادق في تصريحات رسمية وبث مباشر أحيانا.

- منطق "ظاهرة التحياح" وتحويل منصات البرلمان والمهرجانات الخطابية إلى فضاءات للقفشات الساخرة والتهريج بدل التحليل العميق والاستنتاج العلمي الرصين، والشؤون في تبادل الاتهامات الشخصية والحياتية وقلب الطاولة على الكل، مثل الحديث عن الحياة الخاصة للخصوم أو التنابز بالألقاب، بدلا من مناقشة السياسات العمومية والمخططات التنموية الموجهة للمواطن.

إن قبول هذا القاموس المنحط كجزء طبيعي من الحقل السياسي، سيساهم بكل معين لا شك فيه، في تربية الأجيال الصاعدة على الابتذال والتفاهة، ويقضي على القيم والمبادئ التي يتغذى عليها أي مجتمع سليم ومُعافى.

التوصيات والمقترحات المفروض العمل بها:

للنهوض بالخطاب السياسي

لإنقاذ ما تبقى من نبل الممارسة السياسية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الحزبية، يقترح العمل على الواجهات التالية :

- تخليق الحياة الحزبية ووضع مواثيق أخلاقية صارمة وداخلية للأحزاب، تعمل على معاقبة كل مسؤول حزبي أو قيادي يلجأ إلى السب والقذف أو التمييع اللفظي.

- إعادة الاعتبار للتأطير والتكوين عبر مأسسة معاهد التكوين الحزبي لتأهيل النخب الشابة بناء على الوعي الفكر والثقافة السياسية التي تخدم المجتمع، و التعليم الجيد على معرفة ادوات التحليل السياسي الصحيح، وأدبيات التواصل السياسي الرفيع.

- تفعيل أدوار الهيئات التعديلية للصحافة والإعلام، وذلك عبر تشديد الرقابة على البرامج الحوارية التلفزيونية والإلكترونية لمنع تحولها إلى حلبات للملاسنات المبتذلة، وتثمين النقاشات ذات العمق الفكري المعرفي السليم.

- ربط المسؤولية بالبرامج لا بالأشخاص عبر دفع النقاش العمومي نحو التنافس حول الأرقام والمشاريع والمخططات المنجزة، بدلا من شخصنة الصراعات السياسية والحزبية.

خلاصة عامة:

إن تراجع جودة وقيمة القاموس السياسي بالمغرب ليس مجرد أزمة تواصلية فقط، بل هو مرآة لأزمة بنيوية أعمق تكمن في الفقر الفكري، وغياب النخب المؤهلة، حيث أن تمييع الفعل الحزبي بنقل لغة الهامش والابتذال إلى مراكز القرار والمنابر الرسمية يعد تهديدا مباشرا للمسار الديمقراطي بالبلاد، كونه يكرس العزوف السياسي ويفقد المواطن ثقته في المؤسسات.

لذا فإن استعادة عذرية الحقل السياسي والحزبي إن صح التعبير قولا، وصيانة منظومة القيم المجتمعية تقتضي مراجعة شجاعة وجريئة من طرف الأحزاب لنخبها وأساليب تواصلها، فالسياسة في نهاية المطاف هي فكر، وأخلاق، وبلاغة إقناع، قبل أن تكون مجرد صناديق اقتراع واصوات تأتي احيانا بحسن نية ومرات بدونها...