مجتمع وحوداث

تقرير وسيط المملكة.. حين تكشف التظلمات أعطاب الإدارة

غزلان أزندور (حقوقية)
لا ينبغي قراءة التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025 باعتباره مجرد حصيلة رقمية للشكايات والمراسلات والتوصيات، بل باعتباره مرآة تعكس طبيعة العلاقة القائمة بين المواطن والإدارة، ومدى قدرة المرفق العمومي على احترام القانون وتحقيق الإنصاف وضمان الولوج الفعلي إلى الحقوق.

فارتفاع عدد الملفات المسجلة إلى 9958 ملفا، بزيادة تجاوزت 25 في المائة خلال سنة واحدة، قد يعكس تنامي ثقة المواطنين في مؤسسة الوسيط، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن استمرار اختلالات إدارية عميقة تدفع آلاف المرتفقين إلى البحث عن الإنصاف خارج المسارات الإدارية العادية. والأكثر دلالة أن أغلب التظلمات ترتبط بالقضايا المالية والإدارية والبرامج الاجتماعية والعقار، وهي مجالات تمس بصورة مباشرة الاستقرار المادي والاجتماعي والقانوني للمواطنين.

إن بروز التظلمات المرتبطة بالبرامج الاجتماعية يضع مشروع الدولة الاجتماعية أمام اختبار حقيقي. فالحق في الدعم أو الحماية الاجتماعية لا يتحقق بمجرد الإعلان عن البرامج، بل يتطلب معايير واضحة ومنصفة، وإجراءات قابلة للفهم، وآليات فعالة للطعن والتظلم. وعندما يتحول المواطن إلى ضحية لخطأ إداري أو تأخر في معالجة ملفه، فإن الأمر لا يتعلق فقط بخلل تقني، بل بمساس محتمل بحقوقه وكرامته وثقته في المؤسسات.

كما يثير استمرار ملفات عدم تنفيذ الأحكام القضائية قلقا خاصا؛ لأن امتناع الإدارة أو تأخرها في تنفيذ حكم قضائي لا يضر بالمتقاضي وحده، بل يمس مبدأ سيادة القانون ويضعف مكانة القضاء. فلا معنى لدولة الحق والقانون إذا ظل الحكم القضائي معلقا أمام مقاومة الإدارة أو بطء مساطرها.

ورغم التحسن المسجل في عدد الملفات المعالجة وصدور 1653 قرارا بالتسوية، فإن آجال التنفيذ تظل بعيدة عن الزمن المقبول للإنصاف. فقد بلغ متوسط تنفيذ التوصيات 815 يوما، بينما وصل متوسط معالجة الملفات المنتهية بتوصيات إلى 774 يوما. والإنصاف الذي يتأخر أكثر من سنتين قد يفقد جزءا كبيرا من قيمته، خاصة عندما يتعلق بمعاش أو تعويض أو علاج أو دعم اجتماعي.

إن مؤسسة الوسيط تؤدي دورا مهما في كشف الاختلالات وتقريب وجهات النظر واقتراح الحلول، لكن قوة الوساطة لا تقاس بعدد المراسلات والتوصيات فقط، بل بمدى تحولها إلى قرارات إدارية منفذة وإصلاحات تمنع تكرار التظلمات. ولذلك فإن المسؤولية لا تقع على المؤسسة وحدها، بل على الإدارات والقطاعات الحكومية التي يتعين عليها اعتبار توصيات الوسيط فرصة لإصلاح المرفق، لا مجرد مراسلات إضافية ينبغي الجواب عنها.

يكشف التقرير، في جوهره، أن أزمة الإدارة ليست دائما في غياب القوانين، بل كثيرا ما تكمن في طريقة تطبيقها، وفي البطء والمركزية وضعف التواصل وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة. ومن ثم، فإن حماية الحقوق المرفقية تقتضي الانتقال من إدارة تتفاعل بعد وقوع الضرر إلى إدارة تتوقع الاختلالات وتمنعها، ومن ثقافة السلطة والامتياز إلى ثقافة الخدمة والإنصاف.

فالمواطن لا يلجأ إلى الوسيط بحثا عن امتياز، بل لأن حقا لم يصل إليه، أو حكما لم ينفذ، أو قرارا إداريا لم يجد من يفسره أو يصححه. وهنا تحديدا تصبح الوساطة مقياسا لجودة الدولة، ويصبح احترام توصياتها اختبارا فعليا لصدق الالتزام بالحكامة وسيادة القانون وكرامة المرتفقين.