مجتمع وحوداث

ماذا فعلت الهجرة بالشباب؟

محمد التلاغي (مدون)

إذا بدأ كل واحد منا ينظر إلى حيه، ومدينته، وجهته، وأقاربه وأصدقائه، فسيعرف جيدا ماذا فعلت الهجرة بالشباب.


سأتحدث عن الحي الذي أسكن فيه كان يضم عشرات الحرفيين: ميكانيكيين، وجباصين، وبنائين، ونجارين، ودهانين، وكهربائيين، وعاملين في محلات الحلويات اليوم لم يبق منهم تقريبا أحد، فالجميع هاجر، ولم يبق سوى واحد أو اثنان، وحتى هؤلاء حاولوا الهجرة مرات عديدة وما زالوا يفكرون فيها.


هذا الأمر خلق أزمة حقيقية في مدينتي، إذ أصبح من الصعب العثور على حرفي متمكن، وأصبحت المقاولات الصغرى، وكذلك المقاهي والمطاعم، تعاني بسبب نقص اليد العاملة المؤهلة التي تمتلك الخبرة والصنعة.


حتى مدينة بركان، التي كانت تستقبل آلاف العمال الموسميين في القطاع الفلاحي من مختلف المدن، لم تعد تعرف الإقبال نهائيا ، لأن المدن التي كانت ترسل أبناءها للعمل في الفلاحة هاجر شبابها بدورهم إلى إيطاليا وإسبانيا.


اليوم، أصبحت اليد العاملة التي يعتمد عليها القطاع الفلاحي في بركان تتكون أساسا من العمال السودانيين، وبدرجة أقل من الموريتانيين، الذين يتواجدون بأعداد كبيرة، يشتغلون في إطار غير مهيكل وإذا استمر الوضع على هذا الحال، فسيأتي يوم لن نجد فيه يدا عاملة في أي قطاع، لا الحرفي الذي يمتلك الخبرة والصنعة، ولا العامل الذي يقبل بالأعمال الشاقة، لأنه سيقول إذا كنت سأعمل بجد، فمن الأفضل أن أعمل في أوروبا مقابل أجر أفضل.


الحل، في نظري، هو الاستثمار في تكوين الشباب في جميع القطاعات، وتشجيعهم ماديا، بحيث يتلقى الشاب تكوينا ويتقاضى تعويض خلال فترة التكوين. كما يجب رفع الحد الأدنى للأجور ليصل إلى 7000 درهم، ودعم المقاولات الصغرى حتى تتمكن من توفير أجور أفضل، ودعم السكن بنسبة تصل إلى 80% لمن لا يملك مسكنا. عندها سيجد الشباب ظروفا مشجعة للبقاء والعمل في بلدهم.


أما إذا استمرت الصفقات العمومية الكبرى تستفيد منها الفئة نفسها، واستمرت الامتيازات والإعفاءات الضريبية والجمركية للفئة نفسها من أجل استيراد الكزوال واللحوم والمواد الأساسية ، مع انتظار الشباب للعمل بأجر 3000 درهم، ثم يقال إن فرص الشغل موجودة لكن اليد العاملة غير متوفرة، فهذا تجاهل للواقع


إذا كان الشاب سيبذل جهدا كبيرا في العمل، فمن الطبيعي أن يفضل القيام بذلك مقابل أجر أفضل، قد يصل إلى مليون ونصف أو مليوني سنتيم، مع الاستفادة من دعم السكن والأسرة، والعيش في ظروف تحفظ له كرامته. لذلك، فمن الطبيعي أن يفكر كثير من الشباب في الهجرة.