رأيت فتاة مغربية خرجت من البحر بعد أن قطعت مسافة محفوفة بالموت لتصل إلى سبتة، وما إن لامست اليابسة حتى رفعت يدها بعلامة النصر. لا أعلم إن كانت تدرك دلالة تلك الإشارة، لكنني أعلم يقينًا أن المشهد كان مؤلمًا، ليس لأنها وصلت إلى الضفة الأخرى، بل لأن فتاة في عمر الزهور رأت أن النجاة من وطنها تستحق الاحتفال.
وما آلمني أكثر من المشهد نفسه، هو سيل التعليقات التي امتلأت بالشماتة في المغرب، وكأن صورة فتاة واحدة أصبحت كافية لمسح تاريخ أمة، وإنكار ما تحقق من إنجازات، وتقديم البلد وكأنه لم يعرف سوى الفشل.
هذا ليس نقدًا… بل هو العدمية بعينها.
المغرب لم يولد بالأمس، ولم يبدأ تاريخه مع وسائل التواصل الاجتماعي. إنه دولة عانت من الاستعمار الذي جاء تحت اسم “الحماية”، وخاض معارك طويلة لاستعادة قراره وسيادته، ولا يزال يعمل في عالم لا تحكمه العدالة، بل تحكمه موازين القوى والمصالح.
لقد شيد المغرب موانئ عملاقة، وطرقًا سيارة، وقطارات فائقة السرعة، ومناطق صناعية، وأصبح لاعبًا اقتصاديًا مهمًا في إفريقيا، وحقق تقدمًا واضحًا في التعليم والصحة والبنية التحتية مقارنة بعقود مضت. هذه حقائق لا يمحوها مقطع فيديو، ولا يلغيها تعليق غاضب.
لكن، في الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحول هذه الإنجازات إلى ستار نخفي وراءه الفقر والبطالة والهشاشة الاجتماعية وضعف العدالة المجالية. فما قيمة أعظم الجسور إذا شعر بعض الشباب أن البحر هو الجسر الوحيد نحو المستقبل؟
إن الوطن لا يقاس بالإسمنت وحده، بل بكرامة الإنسان.
وهنا تبدأ المسؤولية الحقيقية.
مسؤولية الدولة أن تجعل التنمية تصل إلى الإنسان قبل أن تصل إلى الحجر. وأن يكون الاستثمار في التعليم، والصحة، وفرص العمل، والعدالة الاجتماعية، بنفس أهمية الاستثمار في المشاريع الكبرى. فالأوطان لا تُبنى بالمشاريع فقط، وإنما تُبنى أيضًا بثقة المواطن في أن مستقبله ممكن داخل وطنه.
كما أن المسؤولية تقع على كل مسؤول خان الأمانة، أو استغل منصبه للإثراء غير المشروع، أو جعل المصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة. فالفساد ليس مجرد أرقام تُهدر، بل هو أحلام تُسرق، وشباب يفقدون الأمل، وأسر تدفع أبناءها إلى ركوب البحر.
ومن سرق المال العام لم يسرق خزينة الدولة فحسب، بل سرق جزءًا من كرامة الفقير، ومن مستقبل الطفل، ومن أمن المجتمع.
لكن المسؤولية لا تقف عند السياسة.
فأين الخطاب الديني والتربوي الذي يغرس في النفوس قيمة الكرامة، والصبر، والعمل، وتحمل المسؤولية، وحب الوطن دون تقديس الأشخاص؟
لقد انشغل كثير من الوعاظ بالقضايا الهامشية، بينما تراجعت التربية على الصدق، والإتقان، واحترام القانون، والأمانة، والعمل المنتج. إن الدين ليس مجرد مواعظ تُقال فوق المنابر، بل هو صناعة إنسان يعرف أن العبادة لا تنفصل عن النزاهة، وأن خدمة الناس من أعظم القربات.
إننا بحاجة إلى خطاب ديني يربي على بناء الإنسان لا على تخديره، وعلى المسؤولية لا على الاتكالية، وعلى الأمل المقرون بالعمل لا بالأماني.
كما أننا بحاجة إلى أسرة تستعيد دورها.
لقد تساءلت وأنا أشاهد تلك الفتاة: أين أسرتها؟ أين من كان ينبغي أن يحاورها، ويحتضنها، ويمنحها الأمل؟ ليس الهدف إدانة العائلات، فكثير منها يعاني ظروفًا قاسية، ولكن الأسرة تبقى الحصن الأول الذي يزرع في الأبناء معنى الكرامة وحسن التقدير وعدم المجازفة بالنفس.
ولا ينبغي أن ننسى أن الهجرة، في ذاتها، ليست عيبًا ولا حرامًا، فقد هاجر الأنبياء والصالحون طلبًا للأمن أو الرزق. لكن تعريض النفس للهلاك في البحر مأساة إنسانية، يجب أن تدفعنا إلى معالجة أسبابها لا إلى المتاجرة بصورها.
أما أولئك الذين اتخذوا من هذه الحادثة مناسبة لتشويه المغرب، فإنهم لا يخدمون الحقيقة.
النقد الصادق هو الذي يعترف بالإنجاز كما يعترف بالتقصير، ويطالب بالإصلاح بدل جلد الذات، ويواجه الفساد دون أن يهدم الوطن.
الوطن ليس الحكومة، وليس حزبًا، وليس مسؤولًا بعينه.
والوطن أكبر من أخطاء مسؤول، كما أنه أكبر من إنجاز مسؤول.
إن الدفاع عن المغرب لا يكون بالصمت عن الفساد، كما أن محاربة الفساد لا تكون بتشويه المغرب.
المعادلة الصحيحة هي: وطن نحبه، وسلطة نحاسبها، ومجتمع نربيه، وإنسان نصون كرامته.
ذلك هو الطريق الذي يجعل شباب المغرب يرفعون رؤوسهم داخل وطنهم، لا بعد وصولهم إلى الضفة الأخرى.






