سياسة واقتصاد

تعليق على الرد الإسباني بشأن هجرة آلاف المغاربة لمدينة سبتة المحتلة

(المصطفى المريزق) باحث في سوسيولوجيا الهجرات الدولية ومؤسس الطريق الرابع

جاء الرد الإسباني على أحداث سبتة متوقعًا من زاوية حماية الحدود والسيادة، حيث اعتبر رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن ما وقع يشكل مساسًا بالسلامة الترابية لإسبانيا، مع تحميل شبكات الاتجار بالبشر جانبًا من المسؤولية، والإعلان عن تعزيز الإجراءات الأمنية والعسكرية بالمدينة. كما أكد استمرار التنسيق مع السلطات المغربية لمعالجة الوضع وإعادة المهاجرين غير النظاميين.


غير أن هذا الرد، رغم وجاهته الأمنية، يبقى غير كافٍ لفهم عمق الأزمة. فاختزال ما جرى في كونه مجرد خرق للحدود أو نتيجة لتحريض شبكات التهريب يغفل البعد الاجتماعي والاقتصادي والنفسي الذي يدفع آلاف الشباب، بل والأسر والقاصرين، إلى المخاطرة بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى.


إن ما حدث ليس مجرد أزمة حدود، بل هو مؤشر على أزمة ثقة وأفق، ورسالة اجتماعية قوية ينبغي أن تُقرأ بعين الباحث وصانع القرار، لا بعين رجل الأمن وحده. فالهجرة الجماعية بهذا الحجم تعكس اختلالات عميقة تتجاوز الحدود الوطنية لتطرح أسئلة حول العدالة الاجتماعية، والاندماج الاقتصادي، ومستقبل الشباب في ضفتي المتوسط.


وفي المقابل، فإن الحفاظ على التعاون المغربي الإسباني في مجال الهجرة يظل خيارًا استراتيجيًا للطرفين، لأن المقاربة الأمنية وحدها لن تمنع تكرار مثل هذه الأحداث ما لم تُستكمل بسياسات تنموية وإنسانية تعالج جذور الظاهرة، وتوفر للشباب بدائل حقيقية داخل أوطانهم.


إن هذه الأزمة تذكر الجميع بأن الهجرة لم تعد قضية أمنية فقط، بل أصبحت قضية تنموية وجيوسياسية وإنسانية، وأن نجاح أي سياسة في هذا المجال لن يتحقق إلا من خلال التوازن بين حماية الحدود وصون كرامة الإنسان، وبين احترام السيادة والاستثمار في مستقبل الشباب.


ومن هذا المنطلق، فإن الطريق الرابع كان من أوائل المبادرات الفكرية والمدنية التي دعت إلى تجاوز المقاربة الأمنية الضيقة للهجرة، وإلى اعتماد رؤية استراتيجية تجعل الإنسان محور السياسات العمومية. فقد تقدمت دينامية الطريق الرابع سنة 2017 بـأرضية حول الهجرة، إلى جانب مذكرة حول النموذج التنموي لمغرب المستقبل، وذلك قبل تعيين جلالة الملك للجنة الخاصة بالنموذج التنموي برئاسة السيد شكيب بنموسى. وقد أكدت تلك الأرضية أن الهجرة ليست عبئًا ينبغي التخلص منه، ولا مجرد تدفقات ينبغي ضبطها، بل هي ظاهرة اجتماعية وإنسانية واستراتيجية تقتضي سياسات استباقية تقوم على توسيع فرص التنمية، وإعادة بناء الثقة، وتمكين الشباب من أسباب العيش الكريم والمشاركة الفاعلة داخل وطنهم.


واليوم، وبعد مرور سنوات على تلك المبادرة، تؤكد الأحداث التي تعرفها سبتة وغيرها من المعابر الحدودية أن معالجة الهجرة بمنطق الطوارئ وحده لن تكون كافية. فالمستقبل يتطلب رؤية جديدة تجعل من التنمية والعدالة الاجتماعية، وتأهيل الرأسمال البشري، وتعزيز الأمل في المستقبل، الركائز الأساسية للحد من الهجرة القسرية، مع الحفاظ على الشراكة المغربية الأوروبية في إطار من المسؤولية المشتركة والاحترام المتبادل. ولعل ما يجري اليوم يؤكد أن الأفكار الاستباقية ليست ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة استراتيجية لتجنب أزمات الغد قبل وقوعها.