تكلمت إيطاليا، وتكلمت فنلندا، وتكلمت إسبانيا، وتكلمت الولايات المتحدة، وتكلم العالم عن سبتة، وعن الهجرة، وعن الحدود، وعن مستقبل فضاء شنغن. تعددت المواقف، واختلفت الحسابات، وتصارعت الروايات، إلا رواية واحدة غابت عن المشهد: رواية الحكومة المغربية.
في لحظات الأزمات، لا يُعد الصمت فضيلة، بل يصبح موقفًا سياسيًا له كلفته. فحين يترك المسؤولون الساحة فارغة، يتولى الآخرون الحديث باسمك، وتأويل مواقفك، ورسم صورتك أمام الرأي العام الدولي.
ما يجري اليوم ليس مجرد نقاش أوروبي حول الهجرة، ولا مجرد تدبير أمني لحدود المتوسط، بل هو ملف تتقاطع فيه السيادة، والدبلوماسية، والأمن، والمصالح الاستراتيجية للمغرب. ولذلك فإن غياب صوت الحكومة يثير أكثر من سؤال، ويترك أكثر من علامة استفهام.
أين رئيس الحكومة؟ أين الناطق الرسمي باسم الحكومة؟ أين وزير الشؤون الخارجية؟ وأين الخطاب السياسي الذي يضع المغاربة أمام حقيقة ما يجري، ويقدم للرأي العام الوطني والدولي رؤية المغرب وموقفه؟
سبتة ليست مجرد معبر حدودي، وليست فقط نقطة عبور للمهاجرين، بل هي مدينة مغربية تخضع للاحتلال الإسباني، وقضيتها تظل جزءًا من التصور المغربي لوحدته الترابية. ولذلك فإن كل نقاش دولي حولها، سواء تعلق بالهجرة أو بالأمن أو بالحدود، يلامس قضية سيادية تستوجب حضورًا سياسيًا وإعلاميًا ودبلوماسيًا يوازي حجم الرهانات.
ليس المطلوب خطابات انفعالية، ولا مواقف متشنجة، وإنما تواصل سياسي مسؤول يحترم حق المواطنين في المعلومة، ويؤكد أن الحكومة حاضرة، تتابع، وتبادر، ولا تكتفي بردود الفعل أو بالصمت.
لقد اعتاد المغاربة أن يكون وطنهم حاضرًا بقوة في القضايا الكبرى، وأن تفرض الدبلوماسية المغربية احترامها في المحافل الدولية. أما الصمت الحكومي في مثل هذه اللحظات، فلا يخدم صورة المغرب، ولا يطمئن الرأي العام، ولا يساعد على مواجهة الروايات التي تُصاغ خارج حدود الوطن.
الحكومة مسؤولة سياسيًا عن التواصل مع المواطنين، ومسؤولة عن شرح مواقفها، ومسؤولة، كل في نطاق اختصاصها، عن الدفاع عن مصالح المغرب وتوضيح مواقفه. وهذه المسؤولية لا يمكن تأجيلها أو تعويضها بالصمت.
الصمت ليس سياسة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمدينة مغربية اسمها سبتة. فالمغرب يحتاج اليوم إلى وضوح في الموقف، وسرعة في التواصل، وثقة في مخاطبة مواطنيه والعالم.
وحين يتحدث الجميع عن سبتة، لا يليق بالحكومة المغربية أن تكون آخر من يتحدث... أو ألا تتحدث إطلاقًا.






