تُشكّل قضية صناديق التقاعد إحدى أكثر القضايا حرجاً وتعقيداً في المشهد الاجتماعي والاقتصادي، حيث أضحت "كرة نار" تتبادل الحكومات المتعاقبة رميها دون إيجاد حلول جذريّة تُنهي الأزمة. وتتوالى النداءات والتحذيرات من تقارير رسمية ودولية تنذر بإشراف هذه الصناديق على الإفلاس نتيجة انقضاء رصيدها الاحتياطي، مما يضع مستقبل ملايين المتقاعدين على المحك.
تجاذبات سياسية وصمت عن المسؤوليات
بدلاً من التعامل مع هذا الملف بمسؤولية وطنية تجعل مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، أُقحمت صناديق التقاعد في أتون الصراعات السياسية ؛ إذ تم استغلالها مراراً من طرف الأحزاب والمنظمات النقابية كمركبة لتحقيق أهدافها ومآربها الخاصة، وتوظيفها في المزايدات الانتخابية بدلاً من جعلها مدخلاً لإصلاح هيكلي حقيقي.
وفي مقابل هذا الصخب السجالي، يُسجل سكوتٌ مطبق حول تحميل المسؤوليات لمن كان وراء تفريغ هذه الصناديق ووصولها إلى أزمتها الراهنة.
سؤال يطرح نفسه بحدة: هل جرى تحقيق يذكر في هذا السياق لتحديد مكامن الخلل ومحاسبة المتسببين؟ الواقع يؤكد غياب المحاسبة، ليُطلب من الأجراء في النهاية أداء فاتورة سوء التسيير من جيوبهم وسنوات خدمتهم.
مقارنة بالأنظمة الدولية: شتان بين الواقع والمأمول
على عكس هذا التعاطي الترقيعي، تقدم العديد من الدول المتقدمة نماذج لأنظمة وظيفية تتعامل مع "وضعية المتقاعد" ضمن **نسق مالي عام ومتحرك**، يجري عليه ما يجري على الموظف أو المستخدم النشيط:
* مواكبة الأجور ، تحريك سلم الأجور والزيادة الدورية في الرواتب لتغطي المتقاعدين ومواجهة التضخم.
* الخدمات الرعاية ، تحسين الخدمات الصحية والاجتماعية الموجهة لهذه الفئة باستمرار.
أما على الجانب الآخر، فنحن أمام واقع مرير تجسده **حالات بئيسة لمعاشات دون الألف درهم شهرياً**، لم تبارح أصحابها لعقود خلت، في وقت ارتفعت فيه تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق، مما يفرض على هؤلاء عيشاً يفتقر لأدنى المقومات.
الإصلاح.. واجب وطني وتكريم للمواطنة
إن إصلاح وضعية المتقاعد هو تكريم للمواطن الذي أفنى عمره في سبيل بناء الوطن، وكل تقاعس فيه هو تنكر صارخ للخدمات والتضحيات العظيمة التي أسداها لوطنه.
لقد حان الوقت لكفّ الحكومات عن تقاذف هذا الملف ، واعتماد استراتيجية شجاعة تُعيد للصناديق توازنها، وللمتقاعد كرامته المستحقة .






