لم تعد القضية مجرد تدفق للمهاجرين، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة أوروبا على إدارة حدودها، وإلى لحظة سياسية كشفت حجم التناقضات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه. اللافت أن هذا الحدث يأتي في سياق يختلف جذرياً عن أزمة سبتة سنة 2021. ففي ذلك الوقت، كانت العلاقات المغربية الإسبانية تمر بأخطر أزمة دبلوماسية منذ سنوات بسبب استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو، حيث اعتبرت السفيرة المغربية كريمة بنيعيش بأن هناك أفعالا تترتب عليها عواقب، وتصريح وزير الشؤون الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، بأن المغرب “ليس شرطيا لأوروبا ولا حارسا حدودها”، ليؤكد أن التعاون في مجال الهجرة لا يمكن أن ينفصل عن طبيعة العلاقات السياسية بين الطرفين.
أما اليوم، فإن السياق مختلف تماماً، فالعلاقات بين الرباط ومدريد توصف رسمياً بأنها في أفضل حالاتها منذ سنوات، ويشهد التعاون الأمني والاستخباراتي في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والإرهاب مستوى متقدماً من التنسيق، ولذلك، فإن إعادة إنتاج تفسير سنة 2021 لا يبدو مقنعاً، لأن الظروف السياسية التي أحاطت بالأزمتين ليست واحدة.
هذا الاختلاف يفرض البحث عن تفسيرات أكثر تعقيداً، فالحكومة الإسبانية نفسها لم تتهم المغرب بالوقوف وراء ما حدث، بل حمّلت المسؤولية لشبكات الاتجار بالبشر، معتبرة أنها استغلت فهماً خاطئاً لحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية يتعلق بإجراءات إعادة المهاجرين الذين يصلون إلى سبتة عبر البحر. كما نفت مدريد بشكل رسمي أي علاقة بين الأزمة وزيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر أو بمستوى العلاقات المغربية الإسبانية، مؤكدة أن التعاون مع الرباط لا يزال قائماً.
لكن غياب الاتهام الرسمي لم يمنع بعض الفاعلين السياسيين من استغلال الأزمة، فقد سارعت المعارضة الإسبانية إلى تحميل حكومة سانشيز مسؤولية ما وقع، معتبرة أن سياسة تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين المقيمين داخل إسبانيا بعثت برسالة تشجع مزيداً من الهجرة غير النظامية. وفي الاتجاه نفسه، اعتبر عدد من السياسيين الأوروبيين أن ما وقع يبرر تشديد الرقابة على الحدود وإعادة النظر في بعض ترتيبات فضاء شنغن، بينما ذهبت أصوات أخرى إلى المطالبة بإجراءات استثنائية بدعوى حماية الأمن الأوروبي.
هذه المواقف تكشف أن سبتة تحولت إلى ساحة للصراع السياسي داخل أوروبا نفسها. فاليمين الأوروبي وجد في الأزمة فرصة لتعزيز خطابه الداعي إلى إغلاق الحدود، بينما حاولت الحكومات الدفاع عن سياساتها في مواجهة ضغط الرأي العام، وهكذا أصبحت الهجرة مرة أخرى وقوداً للتنافس الانتخابي، أكثر منها موضوعاً لسياسات عمومية متوازنة.
غير أن أهم ما كشفت عنه الأزمة هو أن أوروبا، رغم كل استثماراتها في أمن الحدود، ما زالت تعتبر المغرب شريكاً لا غنى عنه في تدبير الهجرة. فبمجرد اهتزاز الوضع في سبتة، تحولت القضية إلى شأن أوروبي، وبدأ الحديث عن حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وتعزيز المراقبة، وتسريع عمليات الإعادة، بما يؤكد أن استقرار الحدود الجنوبية للقارة الأوروبية يظل رهيناً إلى حد بعيد باستمرار التعاون مع المغرب.
ومن هنا تبرز مفارقة لافتة، فمنذ سنوات، تنظر بعض الأوساط الأوروبية إلى التعاون المغربي في مجال الهجرة باعتباره التزاماً دائماً، بينما تؤكد الرباط باستمرار أن هذا التعاون ليس خدمة مجانية، وإنما شراكة تقوم على تقاسم المسؤولية والاحترام المتبادل. لذلك فإن كل أزمة من هذا النوع تعيد التذكير بحقيقة جيوسياسية ثابتة: لا يمكن ضمان أمن الحدود الجنوبية لأوروبا دون المغرب. وفي المقابل، لا يجوز اختزال ما وقع في فرضية “الابتزاز السياسي” أو “نظرية المؤامرة”. فالهجرة ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، وتستغلها شبكات إجرامية عابرة للحدود، كما يمكن أن تتحول إلى مادة للاستثمار السياسي والإعلامي.
وقد زاد من تعقيد المشهد إعلان أوكرانيا رصد حملات إعلامية روسية استغلت صور الأزمة لتغذية خطاب التخويف داخل أوروبا، حيث وصفت روسيا أن أزمة سبتة بأنها فشل آخر لسياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي، منتقدة إسبانيا لتفضيلها الدعم العسكري لأوكرانيا على حماية حدودها. وهو ما يعكس أن الهجرة أصبحت أيضاً إحدى ساحات حرب المعلومات.
إن الدرس الحقيقي لأزمة سبتة لا يتعلق فقط بعدد الذين عبروا الحدود، وإنما بما كشفته من هشاشة المقاربة الأوروبية، فكلما وقعت أزمة لها علاقة بالهجرة غير النظامية، يعود الخطاب الأمني للواجهة ليغدي هذا النوع من الأزمات، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالتنمية، وخلق فرص الشغل، والتفاوتات الاجتماعية، والهجرة النظامية، وتقاسم الأعباء بين الضفتين.
لقد أثبتت التجارب أن بناء الجدران وتشديد الرقابة قد يحدان مؤقتاً من تدفقات الهجرة، لكنهما لا يزيلان أسبابها. كما أثبتت أن المغرب لم يعد مجرد بلد عبور، بل أصبح فاعلاً استراتيجياً في أمن البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يفرض الانتقال من منطق “حراسة الحدود” إلى منطق “الشراكة الاستراتيجية” القائم على اقتراح الحلول وبناء قواعد الاستقرار في الضفتين.
قد تنتهي أزمة سبتة كما انتهت أزمات سابقة، لكن الأسئلة التي أثارتها ستظل مطروحة: هل تستطيع أوروبا إدارة ملف الهجرة بعيداً عن الحسابات الانتخابية؟ وهل تنجح في بناء شراكة متوازنة مع المغرب تقوم على تقاسم المسؤولية بدل الاكتفاء بالمطالبة بحماية حدودها؟ أم أن كل أزمة جديدة ستعيد إنتاج الخطاب نفسه، بينما تتسع الفجوة بين واقع الهجرة والسياسات التي تحاول احتواءها.






