لن تنتهي محاولات الشباب المغربي في تحقيق حلمه خارج وطنه، و لو رافق هذا الحلم كل الاخطار المهددة للحياة. كانت محاولات العبور إلى سبتة و مليلية المحتلتين ، بهدف الوصول إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، تستهوي عشرات و مئات، و أصبحت تصنع الخبر حين أصبح حجم المشاركين فيها يعد بعشرات الآلاف. هذا ما حدث في نهاية شهر غشت، و تزامن مع احتفالات عيد العرش. كيفما كانت طبيعة الأسباب المباشرة للحدث الذي عشناه بكثير من الذهول، يظل الفكر الأوروبي الإستعماري الذي يعيش عبر كل أشكال التوجه الايديولوجي للأحزاب التي تتناوب على حكومات إسبانيا. لم يتغير جوهر الخطاب الإستعماري منذ قرون، من ايزابيلا الكاثوليكية إلى فرانكو ، مرورا بذلك الجنيرال المنهزم ( مانويل فيرنانديز سيلفستر ) أمام جيش محمد بن عبد الكريم الخطابي في قلب الريف ، ثم إلى تناوب اليمين الحاقد و اليسار المنافق على الحكم في إسبانيا. و كانت حادثة جزيرة ليلى ، قبل عقدين من الزمن ، ذلك الفعل الفاضح لأحفاد فرانكو على تشبتهم بالثقافة الإستعمارية .
أشعر كمواطن مغربي بكثير من الحقد المشروع حين ازور الحسيمة و منطقة بليونش. يطل المستعمر الإسباني على شوارعنا و منازلنا انطلاقا من جزر صغيرة توجد على بعد أمتار من رمال شواطئنا. أشعر أن هؤلاء الذين نحاول أن نعتبرهم شركاء استراتيجيين يحملون حقدا استعماريا مسكونا بالجرائم التي اقترفوها منذ ايزابيلا الكاثوليكية ، و وصولا إلى الفاشيستي فرانكو و استعماله للأسلحة الكيماوية خلال معركة أنوال سنة 1921. و لا يمكن أن نعزل دور " التكتيك" المصلحي و الذي يلبس جبة المصالح الاستراتيجية للحكومات الإسبانية المتعاقبة منذ 1978 ، عن تجدر تمجيد الفعل الإستعماري في سلوك اليميني و اليساري، و حتى اليساري المتطرف. تعبر كل الأحزاب الإسبانية عن مواقف داعمة لمنظورها الإستعماري ، و تقف احزابنا عند بلاغات بئيسة و غير بريئة ، تستحوذ على صياغتها جمل لا تعني شيئا ، و لا تترجم سوى المستوى المتواضع الذي يشكل حاضر مشهدنا الحزبي، الذي لا يستحق تصنيفه كمشهد.
يجب أن نؤكد على أن إسبانيا، ككل السلطات الإستعمارية السابقة، لا زالت تحمل في كل ممارساتها ذلك التعنت الذي يتجاهل جرائم ضد الإنسانية لا يمكن أن تسقط بالتقادم. كما يجب أن لا ننسى أن مشاكلنا الداخلية لها دور في اشغال نار الرغبة في الهجرة لدى الشباب. لا زالت الفوارق الاجتماعية و المجالية تتفاقم رغم بعض النجاحات القطاعية و تحقيق كثير من التوازنات الماكرو اقتصادية. فشلنا كبير في تحقيق العدالة الاجتماعية، و لا يمكن أن نعتبر انجاز البنيات التحتية في كل القطاعات كافية لضمان حياة كريمة للمواطنين، و خصوصاً ذوي الدخل المحدود، و اؤلءك الذين يعيشون في وضعية هشاشة. وجود مستشفيات جامعية و جهوية حديثة لم يترجم بعد إلى ولوج حقيقي إلى العلاجات. و هناك أيضا بعض الوقائع التي يجب طرحها بكثير من الموضوعية. هناك فرص حقيقية للشغل في المغرب لا تجد قبولا لدى بعض الفئات. يتطلب الأمر كثيراً من الصراحة و الوضوح و الفعل القانوني لفتح ملف التشغيل، ليس فقط في مواجهة باترونا لا تعترف بحقوق العمال، و لكن في مواجهة رفض كثير من الشباب العمل في قطاع البناء و الاشغال العمومية و الفلاحة و حتى في مجالات الخدمات الفندقية و المنزلية.
و يجب الرجوع إلى جوهر المشكل. أكد وزير خارجيتنا على أن المغرب كشريك لإسبانيا ، و على العموم لاؤروبا ، لا يمكن أن يقتصر دوره على لعب دور الدركي لحماية حدود أروبا. و زاد في الإيضاح ليعتبر أن الشراكة تتطلب عدم تغليب المصالح الآنية على المصالح الاستراتيجية التي تم الاتفاق عليها. و لهذا وجب تحميل إسبانيا وحدها ما وقع في باب سبتة و مليلية. كان عليها كمستعمر أن تتحمل مسؤولية تحصين الحدود المصطنعة داخل التراب المغربي في إنتظار حسم تاريخي للاستعمار الذي دام منذ أكثر من خمسة قرون. الاستفزازات المتواصلة التي تمعن في اقترافها السلطات الإستعمارية بسبتة و مليلية تحتاج إلى وقفة سياسية حازمة. يجب أن نطرح الموضوع في أقرب وقت على اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، و العمل على فضح الأفعال الإستعمارية التي تتنافى مع كل المبادئ المؤسسة القانون الدولي. و يجب إخراج ملف آثار إستخدام السلاح الكيماوي منذ أكثر من قرن ، و الذي لا زالت أضراره حاضرة في حياة المرضى في منطقة جبالة و الريف. و في إنتظار أن نصل إلى محطات القرار، وجب اقفال نهائي لمعبر سبتة و مليلية، و ربط كل تبادل تجاري مع اسبانيا بميناء طنجة المتوسط. و لدينا في الاعتداءات العنصرية التي تعرض لها شبابنا في سبتة ذلك السبب الذي يجب أن يغير نظرتنا إلى هذا المعبر بعين غير عين الحزم. فحتى مغاربة سبتة المسلمين كان ، بعضهم ، في طليعة المعتدين على من حاول الهجرة...






