لقد تغيرت ساحة الصراع؛ فلم تعد المعركة معركة رأسمال وشغيلة بشكلها التقليدي (مواجهة الباطرونا والطبقة العمالية داخل المصنع). ففي الواقع الحالي والمستقبلي، أصبح وجود المصنع دون معرفة رب العمل أمرًا ممكنًا، كما أن أوقات العمل لم تعد محددة، وبالتالي لم يعد الحديث عن حق العامل في الضمان الاجتماعي أو تحديد ساعات العمل يأخذ الشكل التقليدي نفسه، كما لم تعد الوقفات الاحتجاجية أمام المعامل أو إعلان الإضرابات عبر بيانات نقابية أو حزبية هي الأدوات الوحيدة للتأثير.
يعيش المغرب اليوم قضايا كبرى اجتماعية وحقوقية وسياسية وبيئية: عطالة حاملي الشهادات العليا، غلاء المعيشة، المناخ، الرقمنة، الهجرة، الحريات الفردية، الذكاء الاصطناعي، العمل عن بعد... وهي كلها قضايا وإشكالات تجاوزت الخطاب اليساري الكلاسيكي، مما أدى إلى صعود خطابات جديدة: الإسلام السياسي، النيوليبرالية، خطاب اللامبالاة والشعبوية، وزواج السلطة والمال، إضافة إلى التحالف بين الأصولية المخزنية والأصولية الدينية، والتسويق المغلوط لمفهوم الدولة الاجتماعية.
كل هذه الخطابات وغيرها احتلت مساحات واسعة في الحقل السياسي، في الوقت الذي انزوى فيه اليسار وغيب نفسه عن حلبة الصراع الحقيقية، فظل منكمشًا في برجه العاجي دون تجديد لمفاهيمه ومواقفه لمواكبة التحولات الجيوسياسية وقضايا العصر المتعددة.
فبدل أن يتواجد في قلب نقاش الحاضر المزري والمستقبل المقلق بأفكار جديدة ومتجددة، بقي همّ قياداته الوطنية هو حراسة تراث الماضي والتشبث بكراسي القيادة التنظيمية، مع تهميش وإقصاء الكفاءات المناضلة والممانعة التي تخالف طريقة تدبير القيادة للتنظيم الحزبي، في ظل غياب الديمقراطية الداخلية وطرد بعض المناضلين.
إن عدم تجديد الفكر اليساري وعدم تكييف آلياته النضالية والترافعية مع المستجدات المرتبطة بنوعية الخطاب المبني على الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وعلاقته بالهوية الوطنية بما تتضمنه من لغة ودين وثقافة، إضافة إلى ما يتطلبه المجتمع من توفير تعليم ديمقراطي يلبي حاجات البلاد في مجال الشغل، وصحة تضمن الحق في الولوج إلى المرفق الصحي العمومي بالمجان، وتكافؤ الفرص بين المواطنين والمجالات، كلها عوامل ساهمت في تنامي أزمة الثقة والعزوف.
ففي انتخابات 2021 بلغت نسبة المشاركة 50.35٪ حسب وزارة الداخلية، بينما انخفضت لدى الشباب بين 18 و35 سنة إلى أقل من 30٪. وحسب استطلاع مؤسسة هانس سايدل لسنة 2022، حصلت الأحزاب التي تعتبر نفسها ضمن الأحزاب اليسارية مجتمعة على 41 مقعدًا من أصل 395 سنة 2021، مقابل 95 مقعدًا في انتخابات 2011، أي بتراجع يفوق 56٪ خلال عشر سنوات.
وحسب استطلاع "البارومتر العربي" لسنة 2023، فإن 67٪ من المغاربة لا يثقون في الأحزاب السياسية، و54٪ يعتبرون أن "جميع السياسيين" فاسدون.
كما يشير تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2022 إلى أن 82٪ من تمويل الأحزاب يأتي من الدعم العمومي، بينما تتجاوز مصاريف الحملات الانتخابية ذلك بثلاث مرات، وتأتي من جهات غير معلومة.
وبحسب تقرير 2023 حول هجرة الكفاءات الصحية لمنظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 14 ألف طبيب غادروا البلاد، إضافة إلى وجود حوالي 5.7 مليون مواطن مغربي بالخارج، في مقابل بلوغ نسبة بطالة الشباب حوالي 35٪.
بكل بساطة، فإن يسار القرن العشرين وما قبله لا يمكنه الحوار مع أسئلة القرن الحادي والعشرين وما بعده. فالتجديد ليس رفاهية، بل هو مسألة بقاء، وإلا سنبقى مجرد متحف دون تأثير في مخيال الأجيال الصاعدة.
إن تجديد اليسار يستلزم في الوقت الحالي مداخل متعددة، أهمها:
1- مدخل الخطاب:
يعني الانتقال من لغة المفاهيم والتنظير المحض، ومن البيانات وصناعة القرار والمواقف داخل المقرات، ومن الجولات الماراثونية والحديث عن "النضال الطبقي" و"الإمبريالية"، إلى لغة العصر؛ لغة الشباب والرقمنة، وربط الحرية بالكرامة، والكرامة بالخبز، والخبز بالعدالة.
2- مدخل القضايا:
الانتقال من المصنع إلى الشارع وإلى الإنترنت. ففي عصرنا تتسارع الأحداث وتتنامى قضايا الشعوب لتتخذ أشكالًا جديدة، مما يوسع دائرة الصراع ويعدد أطرافه، وهو ما يحتم على اليسار تبني قضايا المناخ والبيئة والماء والجفاف والطاقة؛ فكل هذه قضايا طبقية، لأن هناك طبقات تحترم البيئة وتستفيد منها، وطبقات أخرى تتحمل آثار تدهورها. وهذا يقتضي الانتقال من شعار الحفاظ على البيئة إلى شعار العدالة البيئية.
كما تفرض الرقمنة والذكاء الاصطناعي نقاشات جديدة حول علاقة العمل، والخصوصية، والبطالة التكنولوجية، والحريات الفردية، وهجرة الأدمغة، والهروب الجماعي من الوطن.
3- مدخل التنظيم:
ضرورة الانتقال من صيغة الزعيم إلى تنظيم شبكي. وهذا يحتم على اليسار المغربي تجديد وسائله وهياكله التنظيمية، والانفتاح على المقاولات الصغرى الواقعية والافتراضية، والتواجد الفعلي في ميادين الحركات الاجتماعية، والاستفادة من القوى اليسارية الشبابية، خصوصًا الجامعية منها. فالقوة توجد في الشارع وليس فقط في المقرات الحزبية.
4- مدخل الاقتراح:
عوض الاكتفاء بالنقد فقط، فإن المواطن يريد برامج فعلية وبدائل قابلة للتنزيل.
إن تجديد الفكر اليساري يفرض القطيعة مع الماضي العقيم، وهي ليست نكرانًا للتاريخ، بل مراجعة للأخطاء، وقطيعة مع ثقافة الزعيم الأبدي والقرارات الفوقية. وبدون مراجعة نقدية لن تتوفر شجاعة طلب ثقة المواطن من جديد.
إن تجديد الآليات يفرض على الأحزاب اليسارية، أكثر من أي وقت مضى، تحقيق المعادلة التالية:
تجديد اليسار = قطيعة مع الماضي + قراءة الواقع + جرأة الاقتراح






