في أعقاب المآسي، يبدو من الطبيعي، بل ومن المفهوم، البحث عن سبب واحد أو طرف واحد لتحميله المسؤولية. غير أن ما شهدته مدينة سبتة المحتلة لا يمكن تفسيره بعامل واحد، لأن موجة الاندفاع نحو المدينة كانت نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل المترابطة.
مهما بلغت أهمية أي عامل، فإنه لا يكفي وحده لتفسير توجه عشرات الآلاف من الأشخاص نحو سبتة خلال عطلة نهاية أسبوع واحدة. ولتفسير ما حدث يومي 29 و30 يوليوز 2026، ينبغي أولا فهم التراكم التدريجي لجملة من العوامل الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تشكلت على مدى سنوات، قبل أن تتقاطع جميعها لتقود إلى هذه المأساة. وفي مقال سابق وأكثر تفصيلاً، تناولت الأبعاد الاستراتيجية والسياسية والجيوسياسية لهذه الأحداث. أما في هذا التحليل المختصر، فسأركز على العوامل الاقتصادية والثقافية والسوسيولوجية التي جعلت الهجرة غير النظامية، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر قد تصل إلى الموت، خيارًا مغريًا وقابلاً للتصور بالنسبة لآلاف الشباب المغاربة.
البعد الاقتصادي للهجرة غير النظامية
كما أشار العديد من المتابعين للأحداث الأخيرة، يظل الفقر والبطالة العاملين الرئيسيين اللذين يدفعان عددًا كبيرًا من المغاربة إلى الاعتقاد بأن الهجرة هي السبيل الوحيد لبناء مستقبل أفضل.
ووفقًا لمعطيات المندوبية السامية للتخطيط، تتراوح نسبة البطالة في صفوف الشباب المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة بين 29 و35 في المائة. وتزداد خطورة هذه الأرقام إذا ما قورنت بنسبة البطالة العامة في المغرب، التي تبلغ نحو 11 في المائة فقط, ويبلغ عدد الشباب الذين لا يشتغلون ولا يتابعون أي تكوين أو دراسة حوالي 1.2 مليون شخص. وبالنسبة إلى هذه الفئة، أصبحت الهجرة تبدو وكأنها الخيار الوحيد لتحقيق حلم تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية. ورغم أن البطالة لا تزال تمثل تحديًا كبيرًا في المغرب، فإن العديد من التقارير تشير إلى مفارقة لافتة، تتمثل في أن عدة قطاعات اقتصادية تعاني في الوقت نفسه من نقص في اليد العاملة. فمجالات الصناعات الغذائية والنسيج والبناء وصناعة الأسلاك الكهربائية، تواجه صعوبات متزايدة في استقطاب العمال، سواء كانوا مؤهلين أو غير مؤهلين، رغم استمرار ارتفاع معدلات البطالة.
ويعزو ممثلو هذه القطاعات هذا الخلل إلى عوامل هيكلية، من بينها ضعف التكوين المهني وارتفاع تكاليف المعيشة وطول مدة التنقل إلى أماكن العمل وارتفاع مصاريف النقل، وهي عوامل قلصت جاذبية العديد من الوظائف الصناعية، خاصة في المراكز الاقتصادية الكبرى مثل الدار البيضاء.
ويعكس هذا الواقع مخاوف أوسع سبق أن أشار إليها البنك الدولي، الذي يرى أن سوق الشغل في المغرب لا يزال يعاني من ضعف إدماج فئتين أساسيتين هما الشباب والنساء. كما يقدر أن نحو 29 في المائة من المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة يوجدون خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق العمل، وهو ما يعني وجود شريحة واسعة من الشباب المهددين بالإقصاء طويل الأمد.
ومع ذلك، فإن غياب الآفاق لا يعني بالضرورة غياب فرص العمل. فالاقتصاد المغربي يوفر بالفعل وظائف يمكنها استيعاب جزء من العاطلين عن العمل، خصوصًا في قطاعي البناء والسياحة، اللذين يعانيان من نقص حقيقي في اليد العاملة. والمفارقة اللافتة أن هذا النقص بلغ حدًا جعل عددًا متزايدًا من الشركات يعتمد على مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، كانوا يطمحون في الأصل إلى الوصول إلى إسبانيا، لكنهم استقروا في المغرب واختاروا العمل فيه.
وتكمن المفارقة الأكبر في أن هؤلاء المهاجرين يقبلون شغل مناصب يعزف عنها كثير من العمال المغاربة، في حين أن العديد من المغاربة لا يترددون في قبول الوظائف نفسها عندما يصلون إلى الخارج، حتى وإن كانت تفتقر إلى التغطية الصحية أو إلى الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية.
ثقافة تمجيد الحياة في الخارج
غير أن الدافع إلى الهجرة لا يقتصر على العوامل الاقتصادية وحدها، بل يمتد أيضًا إلى البعد الثقافي، الذي أصبح متجذرًا بعمق في النسيج الاجتماعي المغربي إلى درجة أنه يكاد لا توجد أسرة مغربية إلا ولها فرد واحد على الأقل يقيم في الخارج. ففي كل صيف، يعود أفراد الجالية المغربية إلى أرض الوطن وهم يستعرضون، بشكل لافت، مستوى معيشيًا يبدو أكثر رفاهية، من سيارات جديدة ومنازل جرى تجديدها وأسلوب حياة أكثر راحة يبرز بوضوح مقارنةً بالمشقة اليومية التي يعيشها من بقوا في المغرب. ويؤدي هذا المشهد السنوي إلى ترسيخ قناعة لدى المقيمين في البلاد، بمن فيهم أحيانًا المهنيون وكبار الموظفين الذين يتقاضون أجورًا محترمة وفقًا للمعايير الوطنية والإقليمية، بأن الحياة في الخارج لا بد أن تكون أكثر ازدهارًا ورخاءً.
ويتعزز هذا الانطباع بفعل أفراد الجالية الذين يصفون في كثير من الأحيان ظروف العيش في أوروبا أو الولايات المتحدة أو دول الخليج بصورة وردية مبالغ فيها، مما يزيد من تغذية طموحات أقاربهم في المغرب للهجرة. ففي رواياتهم التي تضفي طابعًا رومانسيًا مبالغًا فيه على الحياة في الخارج، نادرًا ما يتحدث هؤلاء العائدون عن هشاشة أوضاعهم أو عن الأجور المتواضعة التي كثيرًا ما ترافق حياة الكثيرين منهم في بلدان المهجر.
وبدلاً من ذلك، فإن ما يعود معهم إلى المغرب هو النسخة المصقولة والمثالية من حياتهم في الخارج. ولذلك، ليس من المستغرب أن تُظهر استطلاعات الرأي التي أُجريت خلال السنوات الأخيرة باستمرار أن أكثر من 35 في المائة من المغاربة يعبرون عن رغبتهم في مغادرة البلاد. وهكذا، أصبح التفاعل بين الضرورات الاقتصادية والأسطورة الثقافية للحياة في الخارج يجعل من الهجرة هاجسًا وطنيًا بامتياز.
تفاعل عوامل الجذب
من الحقائق المتفق عليها عالميًا أنه حيث يوجد الطلب، يظهر العرض بطبيعة الحال. وقد وجدت شبكات تهريب المهاجرين التي تسهل الهجرة غير النظامية في هذا الواقع أرضًا خصبة لتحقيق أرباح طائلة من يأس الشباب الذين يحلمون بحياة أفضل لأنفسهم ولأسرهم. وفي بعض الحالات، يدفع المهاجرون ما يصل إلى عشرة آلاف يورو مقابل مكان على متن قارب بدائي متجه إلى إسبانيا. ولا شك أن هذا يعكس، في الوقت نفسه، حجم الطلب الكبير ووحشية أولئك الذين يستفيدون منه. غير أنه سيكون من الخطأ التعامل مع هذه الشبكات، أو مع النزعة إلى الهجرة التي تستغلها وتغذيها، باعتبارها ظواهر قادرة على الاستمرار بذاتها.
وبعبارة أخرى، فإن التفاعل بين يأس الشباب المغربي الراغب في الهجرة واستغلال شبكات التهريب لهذا اليأس ما كان له أن يزدهر في فراغ. فكلاهما يستمر بفضل وجود عوامل جذب قوية في بلدان المقصد، تجعل المخاطر القاتلة التي تكتنف طرق الهجرة غير النظامية تبدو أقل أهمية أو أكثر قابلية للتبرير مقارنةً بالحياة المثالية التي يتخيلها الراغبون في الهجرة.
وفيما يتعلق بالموجة الأخيرة نحو سبتة، فإن أبرز هذه العوامل يتمثل في القرارات المتكررة التي اتخذتها الحكومات الإسبانية المتعاقبة لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين العاملين في قطاعات الاقتصاد الإسباني غير الرسمي. وفي أحدث هذه الحالات، كشف مرسوم ملكي صدر في شهر مايو عن خطة إسبانيا لتسوية أوضاع نحو خمسمائة ألف مهاجر غير موثق. ولم يكن هذا القرار معزولاً عن السياق العام، بل جاء استجابةً لضغوط ديموغرافية هيكلية تواجهها إسبانيا منذ عقود، ومن المتوقع أن تتفاقم في السنوات المقبلة. فبمعدل خصوبة يبلغ نحو 1،2 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من معدل الإحلال السكاني البالغ 2،1 طفل، تواجه إسبانيا واقعًا ديموغرافيًا مقلقًا لا يترك لها سوى خيار واحد تقريبًا، وهو استقطاب اليد العاملة الأجنبية منخفضة التكلفة. ويقدر كل من صندوق النقد الدولي والمفوضية الأوروبية أن إسبانيا ستحتاج إلى استقبال ما بين 200 ألف و250 ألف مهاجر سنويًا حتى عام 2050، فقط للحفاظ على اقتصادها والتخفيف من آثار شيخوخة السكان. وفي المقابل، حذرت المؤسستان نفسيهما من أن تبني سياسة هجرة شديدة التقييد ستكون له كلفة باهظة تتمثل في تراجع ملموس للناتج المحلي الإجمالي وانخفاض الإيرادات الضريبية وتآكل تدريجي للوزن الاقتصادي لإسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي.
ولا يمكن فهم أحداث 29 و30 يوليو إلا في ضوء هذا السياق الأوسع. فالحكم القضائي الذي حظي بكل هذا الاهتمام لم يكن سوى عامل محفز سرع قرارات كان كثيرون قد بدأوا بالفعل في التفكير فيها، وفتح أمامهم ما بدا وكأنها فرصة نادرة لن تتكرر. ولولا اليأس الاقتصادي والجاذبية الثقافية للهجرة والحسابات الديموغرافية الخاصة بإسبانيا، لما تجاوز أثر ذلك الحكم كونه مجرد ملاحظة قانونية هامشية.
وفي عصر الخوارزميات، حيث فقدت الحكومات إلى حد كبير قدرتها على التحكم في انتشار المعلومات والشائعات، انتشرت الأخبار التي تفيد بأن الأشخاص الذين يصلون إلى الأراضي الإسبانية سباحةً لن تتم إعادتهم فورًا إلى المغرب بسرعة مذهلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ووصلت هذه الأخبار إلى مئات الآلاف من الشباب الذين كانوا يفكرون منذ فترة طويلة في الهجرة، فاعتقد كثير منهم أن الوصول إلى سبتة سباحةً سيتيح لهم البقاء، ولو مؤقتًا، إلى حين دراسة ملفاتهم. وقد شكل هذا التصور حافزًا قويًا لشريحة واسعة من الشباب الذين يعانون أصلاً من البطالة وضيق الآفاق وحول تفصيلاً قانونيًا بعيدًا عن اهتمامهم إلى سبب مباشر وملموس يدفعهم إلى التحرك.
وهكذا، ارتفعت محاولات الوصول إلى سبتة بصورة ملحوظة خلال الفترة الممتدة بين 8 و27 يوليو، إلى درجة أن وسائل الإعلام الإسبانية نفسها بدأت تصف الوضع بأنه يقترب من حالة الطوارئ. ومع استمرار تداول الخبر، أخذ يتشكل اعتقاد جماعي راسخ بأن الفرصة أصبحت مواتية بشكل غير مسبوق، وأن كل من ينجح في الوصول إلى سبتة سباحةً ستتم دراسة ملفه بدلاً من إعادته فورًا إلى المغرب.
القراءة الصحيحة للموجة
في السنوات السابقة، وحتى في فترات اشتداد الضغوط المرتبطة بالهجرة، نادرًا ما تجاوز عدد محاولات العبور نحو 1،500 شخص. أما يومي 29 و30 يوليو، فقد قفز هذا العدد إلى ما بين خمسين وستين ألف شخص. وبحلول ذلك الوقت، كانت قراءة قانونية ضيقة، ظلت في البداية حبيسة قاعات المحاكم والأوساط الإدارية، قد اكتسبت حياة مستقلة داخل المخيال الجماعي للراغبين في الهجرة.
ومن ثم، فإن ما حدث في سبتة يُفهم على أفضل وجه باعتباره نتيجة التقاء ضغوط تراكمت على مدى سنوات طويلة مع عامل محفز واحد جاء في التوقيت المناسب تمامًا. فقد وفرت الصعوبات الاقتصادية والرومانسية المتجذرة تجاه الحياة في الخارج والقدرة الهائلة لشبكات التهريب على صناعة السرديات وغرس الآمال، إلى جانب الضرورات الديموغرافية الخاصة بإسبانيا، مجتمعةً، منظومة الحوافز التي دفعت عشرات الآلاف من الشباب الباحثين عن حياة أفضل إلى الاعتقاد بأن المخاطرة تستحق العناء.
ولو غاب أي عنصر واحد من هذه العناصر، لما وقعت أحداث 29 و30 يوليو، أو على الأقل لما بلغت الحجم الذي شهدناه. ومن هذا المنظور، فإن هذه المأساة المرتبطة بالهجرة تقدم درسًا يتجاوز بكثير التفسيرات الجزئية التي درج عدد من السياسيين والمثقفين الأوروبيين، سواء من اليمين أو اليسار، على تقديمها. ومن ثم، فإن أي استجابة تركز فقط على العامل المباشر الذي فجر الأزمة، وتتجاهل في الوقت نفسه التيارات الاقتصادية والثقافية العميقة التي غذتها على مدى سنوات، لن تكون قادرة على الحيلولة دون تكرار أحداث مماثلة، سواء في المستقبل القريب أو البعيد.
ومن الطبيعي، بل ومن المفهوم، أنه عقب المآسي يميل الناس إلى البحث عن مذنب واحد. غير أن ما حدث في سبتة لا يمكن اختزاله في عامل واحد، سواء كان قانونيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا، من دون تشويه حقيقة ما جرى.
وكما هو الحال في كثير من المآسي، فإن ما وقع كان ثمرة سنوات طويلة من الضغوط المتراكمة التي انفجرت دفعة واحدة عندما جاء عامل محفز في التوقيت المثالي لإطلاقها. وأي شخص يدعي خلاف ذلك إما أنه ينخرط عمدًا في خطاب ديماغوجي هدفه تسجيل نقاط سياسية، أو أنه يفتقر إلى المعرفة الكافية، فيغيب عنه للأسف إدراك الصورة الكبرى بينما ينشغل بالتفاصيل.






