هذا نص كنت قد كتبته في منتصف شهر سبتمبر من سنة 2024 وأنا في مدينة سبتة.
ومازالت مدينة سبتة على هذه الحال.
----
سبتة كما هي الآن.
سألت نفسي ؛
لماذا يريدون الدخول إلى سبتة مهما كانت خطورة المغامرة؟
داخل مدينة سبتة جاءني الجواب :
لأنك إن استطعت أن تصل إلى سبتة، بحرا أو برا، بطريقة غير شرعية، دون أن يوقفك الحرس المدني، ودخلت المدينة، فاعلم أنه يمكنك أن تبقى هناك، و لن يعيدك أحد من حيث أتيت.
هذا قانون تلتزم بتطبيقه حكومة سبتة، مثلها مثل باقي حكومات المناطق التي تحظى بالحكم الذاتي في إسبانيا.
إلى غاية صباح أول أمس السبت، أقمت في مدينة سبتة مدة أسبوع.
أقمت في شقة في الطابق الثاني بكايي بيلاردي Calle Velarde.
كايي تعني "شارع" بالإسبانية.
في سبتة ينطقون الياء جيما مسبوقة بالدال، ويقولون : كادجي.
شارع بيلاردي يوجد وسط المدينة.
العمارة التي أقمت فيها نظيفة وحديثة البناء، وفيها مصعد وممرات خاصة بذوي الإعاقات الذين لديهم صعوبة في المشي والحركة.
حين أخرج من الشقة، أجد المصعد بجواري في الممر.
أنزل فيه.
أنعطف يسارا نحو بوابة العمارة.
أضغط على زر نحاسي فيتحرك المزلاج وينفتح الباب الحديدي الذي يلزمك أن تبذل جهدا كي تجذبه عندك من أجل الخروج..
عندما أخرج من العمارة، أتوجه يسارا إلى نهاية الشارع.
أقطع مسافة عشرين مترا لأجد نفسي في شارع سانتاندير العمودي على كايي بيلاردي.
أقطع كايي بيلاردي عبر ممر الراجلين نحو كايي سانتاندير الذي يطل على الساحل المتوسطي، وعلى شاطئ ريبيرا.
أنعطف على اليمين في الشارع، وأنا أحمل فوق ظهري الحقيبة التي أضع عادة فيها ما أحتاجه من مستلزمات الخروج.
فوطة صغيرة أمسح بها العرق.
مْخزّن الطاقة الكهربائية Power Bank لشحن هاتفي، ومعه كابل لتوصيله بالهاتف.
ثم سماعات الهاتف.
بعد خمسين مترا من المشي في الشارع المطل على شاطئ البحر، يتغير اسم الشارع ويصبح اسمه كايي ديان نابارو أكونيا Dean Navarro Acuña.
أمر في هذا الشارع على "متحف الفيلق"
. Museo de la Legión
أجد فوق الرصيف، بجوار المتحف تمثالا لجندي يقف بجوار ثور، يحمل كلاشينكوف، وتحت التمثال لوحة مكتوب فيها :
Legionarios a luchar. Legionarios a morir.
(الصورة).
جنود الفيلق للقتال. جنود الفيلق للموت.
متحف الفيلق هذا، هو أحد المتاحف العسكرية التابعة للجيش الإسباني.
تتكون معروضاته من لوحات وأعلام وشعارات وصور فوتوغرافية ومواد أخرى تتعلق بالفيلق الإسباني.
بعد حوالي مائة متر من المشي، أقطع الشارع من الجهة اليسرى إلى الجهة اليمنى نحو شارع فرعي اسمه كايي بادييا Calle Padilla، ثم بعد أقل من عشرين مترا أقطع في اتجاه اليمين لأجد نفسي في باسيو دي كولون Paseo de Colón، وهذا هو الشارع الذي يوجد فيه مقر الإدارة العامة لشرطة مدينة سبتة..
هنا في هذا الشارع يتم تحديد مستقبل المهاجرين المتوافدين على سبتة.
في الشارع، قبالة الإدارة العامة لشرطة سبتة هذه، يوجد المركز التجاري كارفور إكسبريس.
يوم الاثنين الماضي، حين مررت صباحا من هذا الشارع، ذُهلت بعدد الأشخاص، من الرجال والنساء، الواقفين أو الجالسين في الرصيف بجوار الإدارة العامة لشرطة سبتة، أو أمامها..
أغلبهم شبان ذكور، مع بعض الإناث.
قلة قليلة منهم يبدون من ملامحهم أنهم إسبانيون.
الباقي كلهم سحناتهم توحي أنهم مهاجرون، من شمال إفريقيا أو إفريقيا جنوب الصحراء.
وقفت أتأمل المنظر.
اعترتني رغبة في أن أقوم بتصوير ما أرى.
في الوقت الذي أخذت فيه الهاتف وأردت توجيهه نحو الحشود المكدسة في بوابة الإدارة العامة للشرطة، سمعت صوتا بلهجة مغربية يقول : لا. لا.
استدرت نحو مصدر الصوت.
وجدت ثلاثة شبان.
كانوا يتحدثون مع بعضهم بالدارجة المغربية بعصبية.
كانوا وكأنهم يتخاصمون مع بعضهم.
أعدت هاتفي إلى جيبي.
توجهت نحوهم.
إنه الفضول.
ألقيت التحية :
السلام عليكم.
ظهرت علامات المفاجأة عليهم.
لم يرد أي واحد السلام.
قلت لهم :
واش هنا كيديرو الإقامة فسبتة؟
بقوا صامتين..
أصابني الحرج.
بقيت أنظر إليهم.
بعدها جاءني الجواب من أحدهم.
كان وجهه أسمر بلفحات أشعة الشمس، وشعره قصير وخشن، عمره لا يتجاوز العشرين سنة.
قال لي : إيه.
ثم صمت.
قلت له : شكرا.
لم أرغب في طرح مزيد من الأسئلة عليهم.
بدا لي أنهم متذمرون، وليس لديهم استعداد للحديث مع شخص غريب لا يعرفونه.
توجهت إلى كارفور إكسبريس المقابل للإدارة العامة للشرطة، ودخلت إليه.
اشتريت قنينة لتر ونصف من الماء، وقنينة لتر من عصير الماندارين، وثلاثة موزات..
أديت ثمن ما اشتريت لامرأة إسبانية كهلة مكلفة بالصندوق. طلبت مني هل أريد كيسا بلاستيكيا أضع فيه مشترياتي.
أجبتها : سي. بورفابور.
أضافت ثمن الكيس على ثمن المشتريات وردت علي الباقي من ورقة عشرة يورو التي أعطيتها لها.
وضعت الكيس داخل حقيبة ظهري. وتوجهت إلى بلاصا دي لا كونستيتوسيون Plaza de la constitución.
استرحت من المشي قليلا فوق كرسي عمومي.
أكلت موزة، وشربت بعضا من العصير، وتناولت بعض الدواء مع الماء.
رميت قشرة الموزة في وعاء خاص بالنفايات، وتابعت المشي في اتجاه معلمة "الجدران الملكية" Murallas Reales.
"الجدران الملكية" هي أسوار تحيط بمدينة سبتة القديمة، بناها البرتغاليون حين احتلوا سبتة أول مرة وسقطت في أيديهم يوم 21 غشت 1415م، وذلك بعد حرب شرسة مع الدولة المرينية في المغرب التي كانت قد أنهكتها الصراعات مع الوطاسيين الذين كانوا يتحكمون في منطقة الريف بالمغرب، ولم تكن لدبهم القوة العسكرية القادرة على الدفاع عن سبتة من الاحتلال البرتغالي.
وصلت إلى أسوار "الجدران الملكية" بعد حوالي 20 دقيقة مشيا على الأقدام.
قدماي كانا متسلحين بحذاء جلدي طبي من ماركة "كارلي" ، كنت اشتريت ثلاثه أزواج منه بأشكال مختلفة، من متجر في شارع محمد الخامس بمدينة مكناس.
لكن مع ذلك كنت قد بدأت أشعر ببعض الألم في أسفل قدمي.
لذلك تخليت عن زيارة معلمة "بوابة الخلافة" Puerta Califal.
كانت Puerta Califal هي بوابة الوصول الرئيسية إلى المدينة الإسلامية المحمية بالأسوار في القرن العاشر الميلادي خلال حكم الدولة الأموية للأندلس.
وقد بُنيت أولى هذه الأسوار في سبتة على يد خليفة قرطبة عبد الرحمن الثالث، في عام 957 م.
عندما احتل البرتغاليون سبتة عام 1415، قرروا توسيع الأسوار للدفاع عن المدينة من هجوم المغاربة.
وبين عامي 1541 و1549، تم بناء الجدران الملكية باستخدام ما كان قد بقي موجودا من الأسوار العربية.
في "بوابة الخلافة"، شربت بعضا من عصير الماندارين، واستجمعت قوتي، ويممت وجهي نحو باسيو آلكالدي سانشوس برادوس.
في هذا الشارع يوجد مقهى مطعم Al Hambra (الحمراء) يديره رجل مغربي اسمه البقالي.
كنت في اليوم الماضي، قد جلست في هذا المقهى وشربت فيه شايا بالنعناع، وأكلت فيه سندويتش دجاج، وتعرفت فيه على زبائن مغاربة كبار السن متقاعدين عن العمل، من بينهم سي عبد القادر الفحصي الأنجري.
كنت قد اتفقت مع سي عبد القادر أن نلتقي في اليوم الموالي في منتصف النهار في هذه المقهى.
سي عبد القادر، ملامحه شقراء، لون عينيه يميل إلى الزرقة، يبلغ من العمر 95 سنة، وهو ما شاء الله مازال يتمتع بذاكرة قوية وقدرة على التركيز في الكلام، ويتحدث جيدا بالدارجة المغربية مع لكنة شمالية جبلبة. لكنه عندما يتحدث يبدأ جزء من خده الأيسر في الارتعاش.
سي عبد القادر قدم من مدريد من أجل العيش في سبتة رفقة والديه وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره.
قلت لسي عبد القادر بأنني وجدت حشدا من الناس في بوابة الإدارة العامة للشرطة بسبتة، وسألته عن السبب.
قال لي :
اليوم الاثنين هاكا كتكون بوليسيا Policia .
كيكونو فيها الناس للي دخلو من المغرب لسبتة بلا اوراق.
قلت له :
وعلاش كيمشيو ليها؟
أجابني :
كيعملو ديكلاراسيون.
قلت له :
ديالاش الديكلاراسيون؟
قال لي :
أي واحد دخل لسبتة بلا اوراق، وما قبطوهشي الكًوارديا سيبيل وهو داخل من البحر أو من الجبل، كيبقى يدور هنايا سيمانة أو جوج، وكيمشي يعمل ديكلاراسيون عند بوليسيا.
سألته:
شنو كيقول فهاذ الديكلاراسيون؟
أجابني وقد بدأ الجزء من خده الأيسر في الارتعاش:
كيعاود لوم شي قصة. واخا تكون غي خرافة عامرة بالكذوب. وكيشرح لوم علاش هو فسبتة بلا اوراق.
وكيعطيوه ورقة فيها اسمو. وكيطلقوه. هذا هو القانون.
قلت له :
وهاذ الناس، يمكن لهم يخدمو بهاذيك الورقة للي كيعطيوها لهم البوليس؟
انبعثت من بين شفتي سي عبد القادر ابتسامة ساخرة وقال لي :
"فاين ماشي يخدمو؟
كاينا هنا معمل واحد ديال ماروخا لايكون مغلوق فالصيف.
كيخدمو فيه عشرة د الناس.
وللي عندو شي صنعة، نجار أو ميكانيكو أو تشابيسطا أو بناي، خصو يمشي يقلب على راسو كل صباح..
يقدر يلقى للي يخدمو ويقدر ما يلقاشي.
وكاينين الطيينداس والقهاوي والريسطاورانطيس.
هاذ الشي للي كاين.
ما كاين بويرطو ديال الحوت.
ما كاين معامل.
ما كاين حتى شي حاجة.
سبتاوة للي خلقو هنا، مسلمين ونصارى، وقاريين، وتخرجو من الجامعة، ما كيلقاوشي الخدمة.
مرة مرة الآيونطامينطو كتلقالوم شي وظيفة، وكاينين للي كييخدمو فالنظافة. كينظفو الشوارع.
قلت له :
إيه. المدينة نظيفة تبارك الله. شفت نصارى خدامين كيسقيو الغرس وكيجمعو الزبل.
قال لي :
هاذ الشي للي أعطى الله.
نعم.
هاذ الشي للي أعطى الله.
وهذا ما كان.






