تحليل

قراءة مؤسساتية في السجال بين المحاماة والجمعيات المهنية للقضاة

مصطفى المنوزي (رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)

“لتكن سلامة الشعب هي القانون الأعلى.”

شيشرون

أثار الرد الذي نشره الأستاذ عبد الكبير طبيح، تعقيباً على ما كتبه كل من الأستاذ عبد الرزاق الجباري، الرئيس السابق لنادي قضاة المغرب، والأستاذ محمد رضوان، رئيس الودادية الحسنية للقضاة، نقاشاً تجاوز حدود الاختلاف في الرأي، ليطرح أسئلة أعمق تتعلق بالعلاقة بين مكونات منظومة العدالة، وبحدود الاختصاص، وبأخلاقيات الخطاب العمومي الصادر عن الفاعلين القضائيين والمهنيين.

والواقع أن هذا السجال لا يمكن فهمه إذا عُزل عن سياقه المؤسساتي والدستوري. فالنصوص لا تُقرأ بمعزل عن ظروف إنتاجها، كما أن التصريحات العمومية لا تُفهم فقط من خلال مضمونها، بل كذلك من خلال الصفة التي تصدر بها، والمرحلة التي تقال فيها، والأثر الذي يمكن أن تتركه على الثقة في العدالة.

وأول ما يقتضي التوقف عنده هو ضرورة التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي. فإذا كان الرأي محل النقاش يعبر عن اجتهاد شخصي، فإن الرد عليه ينبغي أن يبقى في الإطار الشخصي. أما إذا تعلق الأمر بما يمس أداء مرفق العدالة أو صورة المؤسسة القضائية، فإن تحديد الجهة المختصة بالرد يصبح مسألة قانونية ومؤسساتية، لأن لكل مؤسسة اختصاصاتها وحدودها.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية، باعتباره المؤسسة الدستورية الضامنة لاستقلال السلطة القضائية، وبين الجمعيات المهنية للقضاة التي تمارس أدواراً مهنية وتمثيلية مشروعة، لكنها لا تحل محل المجلس ولا تتحدث باسمه. واحترام هذا التمييز ليس مسألة شكلية، بل هو من مقتضيات الأمن القانوني والمؤسساتي.

كما أن السجال يثير سؤالاً يتجاوز الأشخاص إلى مفهوم السياسة القضائية في علاقتها بـالأمن القضائي. فالسياسة القضائية تهدف إلى تطوير العدالة وتحسين أدائها، بينما يقوم الأمن القضائي على استقرار المؤسسات، واحترام الاختصاصات، وترسيخ الثقة في القضاء. وكل خطاب عمومي يصدر عن فاعل قضائي أو مهني ينبغي أن يوازن بين حرية التعبير وبين مقتضيات الحياد والوقار اللذين يشكلان جزءاً من أخلاقيات العدالة.

ولا ينبغي أن يغيب عن التحليل أن القضاة يخضعون، إضافة إلى نظامهم الأساسي، لـمدونة الأخلاقيات القضائية التي تؤطر سلوكهم المهني والعمومي، وتؤكد مبادئ الاستقلال والحياد والتحفظ. وهذه المبادئ تكتسب أهمية مضاعفة عندما يتعلق الأمر بقضايا تهم الرأي العام أو تشهد تجاذباً بين مكونات العدالة.

ويزداد هذا السياق حساسية بالنظر إلى اقتراب انتخابات تجديد أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال شهر أكتوبر المقبل، وهي انتخابات سبقها صدور ميثاق أخلاقي تحت إشراف المجلس الأعلى للسلطة القضائية، يهدف إلى تأطير التعبئة والحملة الانتخابية وترسيخ قواعد النزاهة والحياد. ولذلك فإن أي تدخل عمومي يصدر خلال هذه المرحلة قد يكون محلاً لقراءات متعددة، ليس بالنظر إلى النوايا، وإنما بالنظر إلى أثره الموضوعي وانسجامه مع روح الميثاق ومقتضيات واجب التحفظ.

ويتعزز هذا السياق بعناصر وطنية أخرى لا يجوز إغفالها. فالبلاد تعيش تدريجياً أجواء التحضير للاستحقاقات التشريعية المقبلة، وهي مرحلة ترتفع فيها حساسية الخطاب العمومي المرتبط بالمؤسسات الدستورية، كما أن مشروع القانون رقم 23.66 يوجد في قلب نقاش دستوري وقانوني، مع انتظار ما ستؤول إليه الرقابة الدستورية بشأن بعض مقتضياته، الأمر الذي يفرض على جميع المتدخلين احترام المجال الطبيعي الذي أناطه الدستور بالمحكمة الدستورية.

ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل هذا السجال عن الأزمة التي تعرفها منظومة العدالة إثر قرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب تعليق عدد من الخدمات المرتبطة بالمرفق القضائي احتجاجاً على مشروع القانون المذكور، وهو ما خلق حالة من التوتر بين مكونات العدالة، انعكست آثارها على الخطاب العمومي المتبادل.

كما أن صدور أحكام جنائية في غياب الدفاع، وما أثاره القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالعيون من نقاش واسع حول الحق الدستوري في الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، أضفى على هذا السجال بعداً إضافياً، لأن النقاش لم يعد يقتصر على مشروع قانون، بل امتد إلى كيفية تنزيل المبادئ الدستورية داخل الممارسة القضائية.

إن اجتماع هذه الوقائع في فترة زمنية واحدة لا يثبت، في ذاته، وجود علاقة سببية أو تنسيق بينها، لكنه يجعل من الواجب اعتماد أعلى درجات الانضباط المؤسساتي في الخطاب العام، لأن الثقة في العدالة لا تتأثر فقط بالأحكام القضائية، بل أيضاً بطريقة تواصل الفاعلين داخل المنظومة، واحترامهم لحدود الاختصاص، ولواجب التحفظ، وللمقتضيات الأخلاقية المنظمة لممارسة وظائفهم.

ومن ثم، فإن السؤال الجوهري ليس: من انتصر في هذا السجال؟ وإنما: هل احترم كل طرف حدود الصفة التي يتحدث بها؟ وهل ظلت الردود منسجمة مع الأدوار التي رسمها الدستور والقانون لكل مؤسسة؟ وهل ساهم الخطاب المتبادل في تعزيز الثقة في العدالة أم في تعميق حالة الاستقطاب؟

إن استقلال السلطة القضائية ليس امتيازاً لفئة، ولا موضوعاً للمزايدة بين مكونات العدالة، بل هو ضمانة دستورية للمجتمع بأسره. كما أن الدفاع عن المحاماة لا يكتمل إلا في إطار الاحترام الكامل لاستقلال القضاء، مثلما أن الدفاع عن القضاء لا ينفصل عن صون الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة. ولذلك، فإن الحوار المؤسسي الرصين، القائم على احترام الاختصاصات والأخلاقيات الدستورية، يظل السبيل الأنجع لتجاوز الأزمات، وترسيخ الأمن القضائي، وتعزيز الثقة في العدالة باعتبارها مرفقاً عمومياً في خدمة الحقوق والحريات ودولة القانون.