عادةً، كل فردٍ ينتمي لمجتمعٍ بشري، إلا وله مساهمةٌ في تحريك عجلة الحياة، بمعناها الواسع، وذلك، من خلال عملِه، أو من خلال الأدوار التي يلعَبُها داخل المجتمع، أو من خلال ما يقوم به من تصرفات يومية تصبُّ في خدمة الصالِح العام. فكيف يحرِّك عجلةَ الحياة؟
يُحرِّكها بمساهمتِه في الإنتاج الفكري، العلمي أو التكنولوجي أو الصناعي… وأهم شيء، في هذا التَّحريك، هو أن أي فردٍ له حقوقٌ des droits وعليه واجبات des obligations. ومن ضمن هذه الواجبات، يأتي أداء الضرائب التي، بواسِطتِها، تُبنى المدارس والمستشفيات… وتُشيَّد البنيات التحتية les infrastructures التي تنفع البلادَ والعبادَ.
بعد هذه التَّوضيحات، بقي أن أُطلِعَ القارئَ على "ماذا أعني بمهمَّّش؟". أعني بها كلَّ شخصٍ (رجل أو امرأة) يعاني من الإقصاء l"exclusion. وسببُ هذا الإقصاء يمكِن أن يكون دينيا، كما يمكن أن يكونَ اجتماعيا أو اقتصادياً.
1.فإذا كان السبب دينياً، فهو ناتِجٌ، بعد الاطِّلاع على الموروث الديني، عن موقِف علماء وفقهاء الدين من المرأة التي يقولون عنها "إنها ناقصةُ عقلٍ ودين"، متنكِّرين للواقع الحالي الذي يُظهِر عكسَ ما يقولون.
وبحكم ترديد هذه المقولة، أي "إنها ناقصةُ عقلٍ ودين" وتكرارها واللجوء لها في المنابر الدينية، ثاقَت شريحةٌ عريضة من الناس بها. بل أصبحت ثقافةً، تُعامِلُ نفسُ الشريحة النساءَ، مستعمِلةً العنفَ la violence والقسوةَ la cruauté.
وموقِف علماء وفقهاء الدين، هذا، يتناقض مع القرآن الكريم الذي قال ويقول فيه، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 7 من سورة السجدة : "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ".
معنى هذه الآية واضِح وضوح الشمس. وفعل "أَحْسَنَ" يعني أتقن صنعَ الأشياء، ومن بين هذه الأشياء، هناك الأشياء الجامدة وهناك الأشياء الحية. وفي كلتي الحالتين، الإتقان يكمن في ملاءمة وظيفة الجماد أو الكائن الحي مع ظروف الوسط الذي يوجد (يعيش) به.
والإناث، عادةً، من الناحية الديمغرافية، يُشكِّلن ما يفوق أو يقل عن 50%، بنسبة ضئيلةٍ، من عدد سكان البلاد. فهل يُعقَل أن، تقريبا، نصفَ سكان البلاد يُريد علماءُ وفقهاءُ الدينِ إقصاءَهم من كل تأثيرٍ على تنمية البلاد وتطورها وتقدُّمها؟
2.وإذا كان السببُ اجتماعياً أو اقتصاديا، فالفئة المُهمَّشة أو المَقصِية، هم الفقراء les pauvres والعاطِلون عن العمل les chômeurs والأمِّيون les analphabètes والأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة les personnes handicapées، أي الأشخاص الذين يُعانون من تشوُّهٍ أو نقصٍ في القدرات الجسدية أو العقلية.
ولا داعِيَ للقول أن الفقرَ والأميةَ يُشكِّلان عقبةً un obstacle في وجه تنمية البلاد وتقدُّمها وازدهارها. بمعنى أن هاتين الآفتين تشكلان حجرَ عترةٍ يقف أمام كل محاولة لإنتاج الثروة، وبالتالي، للزيادة في قيمة الناتِج الداخلي الخام.
الفقراء لادخلَ لهم. وإن كان لهم دخلٌ، فهو، عادةً، غير كافي لسد حاحياتِهم اليومية من أكلٍ وشُرب وتطبيبٍ وتعليم الأطفال…، وبالتالي، فإن استهلاكَهم يكون ضعيفا وله تأثير سلبي على تحريك عجلة الاقتصاد، علماً أن الإستهلاكَ يُعدُّ واحدا من محركات الاقتصاد، وتجني، من خلالِه، الدولةُ الضرائبَ والرسومَ. وبما أن دخلَ الفقراء ضعيفٌ، فالدولة يضيع منها جزءٌ لا بأس به من الضرائب المباشرة وغير المباشِرة.
أما الأمية، فهي أول عقبة تعرقل التنميةَ البشريةَ والتنميةَ الاجتماعيةَ والاقتصاديةَ. والأمية ينتُج عنها فقدانُ الوعي، بصفة عامة، والوعي الفكري والصحي والاجتماعي والسياسي…، بصفة خاصة.
فيما يخص الوعيَ الفكري، فعَدَم إتقان الكتابة والقراءة، يُفوِّت على كثير من الناس الذين يشكلون، حالياً وتقريباً، ثُلُثَ سكان البلاد، فرصَ اكتساب المعارف، وخصوصا منها، تلك التي لها وقع على تنمية وتطوير شخصيتهم. أما انعدام الوعي الصحي، فتأثيرُه على الأفراد والمجتمع واضِح للعِيان، طبقا لما جاء في المقولة الشهيرة : "العقل السليم في الجسم السليم".
أما الوعي الاجتماعي والسياسي، فغيابُه يُفقِد الأفرادَ عدمَ معرفتِهم لِما لهم من حقوق des droits وما عليهم من واجبات des obligations. وأهمًُ شيء ناتجٍ عن انعدام الوعي السياسي، فإن شريحةً عريضة من الأميين تثق في أقوال السياسيين وفي أحزابهم، ولما تنزل للواقع تصطدم بمُجريات ما يحدث فيه. والسبب الرئيسي في هذا الاصطدام، هو أن كثيرا من الأمِّيين لا يعرفون عن السياسة إلا صناديق الاقتراع.
أما العاطلون عن العمل، فأغلبيتُهم من الشباب، وبالضبط، من حاملي الشهادات. والشباب، بصفة عامة، والشباب الحامل للشهادات، بصفة خاصة، يوجدان في كامل قواهم العقلية والجسدية اللتان تؤهِّلأنهما للمساهمة، بفعالية عالية، في تنمية البلاد وتقدمها.
والعطالة عن العمل تعني ضُعفاً في الاستهلاك. وضُعف الاستِهلاك يعني ضعفاً في الجباية la perception des impôts. وللتذكير، نسبة العاطلين عن العمل، في ظل الحكومة الحالية، بلغت 13,3%، وهي أعلى نسبة لم يسبق لأية حكومة أن عرفتها، بينما نسبة العاطلين عن العمل، الشباب، بلغت ما نسبتُه 35%. وهذا يُعدُّ هدرٌ في إنتاج الثروة.
أما الأشخاص من ذوي الحاجيات الخاصة، فعددهم، حسب إحصاء 2024، بلغ 1,73 نليون نسمة، أي ما نِسبتُه 4,8% من العدد الإجمالي لسكان البلاد.
والآن، دعونا نستخلص مدى تأثير التهميش والإقصاء، نظريا théoriquement، على اقتصاد البلاد، علماً أن العدد الإجمالي لسكان المغرب، حسب إحصاء 2024، هو 36,828,330. والعددُ الإجمالي للمهمَّشين أو للمقصيين من المساهمة في تحريك عجلة الاقتصاد، هو الآتي :
-عدد النساء الذين يقول عَنهنَّ علماءُ وفقهاءُ الدين "إنهنَّ ناقصات عقلٍ ودينٍ"، هو أكثر من نصف سكان البلاد، حسب إحصاء 2024 وبالضبط : 18782448 نسمة.
-عدد الفقراء، حسب إحصاء 2024 يقارب 2,5 مليون فرد.
-عدد الأميين، حسب إحصاء 2024، والذين يفوق سِنُّهم 10 سنوات وأكثر، هو : 9133425.
-عدد الأشخاص من ذوي الحاجيات الخاصة، حسب إحصاء 2024، يُقارب، كما سبق الذكرُ، 1,7 مليون شخص.
وإذا جمعنا عددَ المُهمَّشين أو المقصيين من تحريك عجلة الاقتصاد، سنصل إلى المجموع التالي : 32 764 873، وهو رقمٌ قريبٌ جدا من عدد سكان البلاد الإجمالي. وهذا بالطبع، رقم خيالي ومُخالِف للواقع. لماذا هذا الرقم مخالِف للواقع؟
لأن الفترةَ التي تفصلنا عن إجراء آخِِرِ إحصاءٍ للسكان والسكنى، تُقارِب سنتين. وأثناءَ هذه الفترة والفترات السابقة، لم يتوقَّف البرلمان والحكومة عن تدبير الشأن العام. بمعنى أن تأثيرَ السياسات العمومية كان قد غيَّر الواقع ولن يتوقفَ عن تغييره. فما هي هذه التغييرات؟
هذه التغييرات يمكن تلخيصُها في الأمور التالية :
1.ارتفعت نسبةُ النساء النشاطات le taux de la population féminine active، أي النساء اللواتي يشغلن وظائف في القطاعين العام والخاص.
2.ارتفعت نسبة النساء المتعلِّمات، علما أن نسبة النجاح، في امتِحانات البكالوريا، مُرتفعةٌ عند العنصر النسوي.
3.النساء يشغلن مناصبَ عليا في القطاعين العمومي والخاص. منهن مديرات مؤسسات عمومية، ومنهن مديرات مقاولات. ومنهن وزيرات وبرلمانيات.
4.مدوَّنة الأسرة شهدت تطوُّرا ملموسا، همَّ النساءَ والأطفال، وخصوصا، فيما لهن ولهم فيه حق. تطوُّرٌ ملموسٌ، ولو أنه غير كافي
5.انخفضت نسبة الفقر، بصفة عامة، عند العنصر الذكوري، ولو أنها بقيت مرتفِعةً عند العنصر النسوي في العالم القروي.
6.انخفضت نسبة الأمية، بصفة عامة لدى الذكور، وبقيت مرتَفِعة عند العنصر النسوي في العالم القروي.
7. اتخاذ تدابير تسهِّل توظيف الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، ولتسهيل ولوجِهم إلى بعض المرافق العمومية والخاصة.
كل هذه التَّغييرات التي عرفها الواقع المغربي، من شأنِها أن ترفعَ نسبةَ الأشخاص (رجالاً ونساءً) الذين يساهمون في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني، وبالتالي، من شأنها أن تحُدَّ من الفوارق الاجتماعية والمجالية. أي لها تأثيرٌ على الاستهلاك، ومن خلاله، على الرفع من قيمة الثروة التي تنتِجها البلاد.
لكن كل هذه التغييرات غير كافية. لماذا؟ لأن الفترةَ التي تفصِلنا عن استقلال البلاد تناهز 70 سنة. وهذه الفترة، كانت كافية وأكثر، بالنسبة لبلدانٍ كثيرة نهضت خلالها وتطوَّرت وتقدَّمت. من بين هذه البلدان، هناك سنغافورة، كوريا الجنوبية. ماليزيا أندونيسيا… وغيرها.
فإذا كانت، بالنسبة لبلادنا، هذه التغييرات غير كافية للنهوض بالمغرب، فلا بدَّ أن هناك سبباً يُعرقِل تأثيرَ هذه التغييرات على نهوض البلاد وتطوُّرها وتقدُّمها وازدهارِها. السبب هو الفساد المُستَشري في جميع مرافق البلاد، العمومية والخاصة. الفساد الذي طبَّعت معه الأحزاب السياسية وأصبح جزأً لا يتجزَّأ من تصرفاتها اليومية. وقد بدأت، فعلا، في تحريكه وتنشيطه مع اقتراب الانتخابات التشريعية لشهر شتنبر 2026.
وفي ختام هذه المقالة، أقول لا شيءَ يعلو على الواقع. إنه يتغيَّر، رغم انتشار الفساد بجميع أنواعِه، وخصوصا، الفساد الذي طبَّعت معه الأحزاب السياسية، ولم تعد قادرة على محاربته. والتغييرُ يأتي، دائما، من الإرادة الملكية التي تريد الخيرَ للبلاد، وتعمل على واجهتين : واجهة إمارة المؤمنين، و واجهة رئاسة البلاد.
واجِهة إمارة المؤمنين، المدعومة، استِشارياً، بالمجلس الأعلى لعلماء المغرب، هي التي بادرت بتنظيم الحقل الديني، تماشياً مع بنود الدستور المغربي لسنة 2011، الذي يصف الإسلامَ، كدينٍ، ب"الإسلام السمح، الوسطي والمُعتدل" l"islam tolérant, du juste milieu et modéré. وإمارة المؤمنين هي التي بادرت بتغيير مدوَّنة الأسرة سنتي 2004 و 2024. وإمارة المؤمنين هي التي تُحاول بدلَ الجهود لتناسُق الدين الإسلامي مع تقدُّم البلاد وتطوُّرها وازدهارِها. فليقل علماء وفقهاء الدين ما يريدون، فالفصل يرجع، دائما، لإمارة المؤمنين التي تأخذ بعين الاعتبار تناسقَ الإسلام، كدينٍ، مع تقدُّم البلاد وتطوُّرها وازدهارها.
أما الواجهة الثانية، أي رئاسة البلاد، فهي مصدر الخير لهذه البلاد. فهي التي بادرت بقطع الصلة مع سنوات الرصاص التي كانت سائدةً في عهد الحسن الثاني، رحمه الله، وذلك بإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة. وهي التي حوَّلت قضيتنا الوطنية (الصحراء المغربية) من مرحلة التدبير إلى مرحلة فرض الواقع كما هو اليوم. وهي التي أعطت للمغاربة (رجالاً ونساءً) الحق في التغطية الاجتماعية والصحية. وهي التي كانت ولا تزال وراء إنشاءِ المشاريع الكبرى كميناء المتوسط والناظور والداخلة والقطار السريع والطريق السريع الرابط بين تيزنيت والداخلة… ومشاريع أخرى كالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والنهوض بكرة القدم بجميع أنواعها… ويأتي على رأس كل هذه المُنجزات، النجاح الدبلوماسي الذي حقَّقته قضية استكمال وحدتنا الترابية!
وفي الأخير وجوابا على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة، أي "هل يُمكِن للمغرب أن ينهضَ وجزءٌ كبير من ساكِنتِه مُهمَّشٌ؟"، أقول : لايمكن للمغرب ولأي بلد أن ينهضَ، وجزءٌ كبير من ساكنتِه، مهمَّش. والتَّهميش يكون، دائما، ناتِجا عن سوء التدبير والحكامة la mauvaise gestion et la mauvaise gouvernance. والتدبير والحكامة من مهام الأحزاب السياسية. إذن الفشلُ، هو فشل الأحزاب السياسية، وليس فشل الإرادة الملكية.






