تحليل

الوطنية بين القيمة المدنية والاحتكار الرمزي

عبد الصمد بنشريف (صحفي)

ثمة فرق جوهري بين الوطنية باعتبارها رابطة مدنية تؤسس للانتماء المشترك، وبين الوطنية حين تتحول إلى خطاب إقصائي يحتكر تعريف الوطن، ويمنح نفسه سلطة توزيع شهادات الولاء وسحبها. ففي الحالة الأولى، تكون الوطنية إطارًا جامعًا يعلو على المصالح الفئوية والانتماءات الضيقة، ويستمد قوته من احترام الدستور والقانون، والإيمان بالمصلحة العامة، وصون التعددية التي تشكل جوهر المجتمع الحديث. أما في الحالة الثانية، فإنها تنقلب إلى أداة للهيمنة الرمزية، تُستعمل لتأديب المخالفين، وإسكات الأصوات الناقدة، واحتكار الحديث باسم الوطن.

ولم يعرف التاريخ دولة قوية لأنها نجحت في توحيد الأصوات، بل لأنها نجحت في إدارة اختلافها. فالدولة الحديثة لا تستمد مشروعيتها من إنتاج الإجماع القسري، وإنما من قدرتها على حماية المجال الذي يسمح بتعدد الآراء، ويضمن للمواطن أن يعبر عن موقفه دون أن يُتهم في وطنيته أو تُصادر شرعيته الأخلاقية. إن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على استيعاب النقد، لا بخنقه؛ وعلى تحويل الاختلاف إلى مصدر للإثراء، لا إلى ذريعة للإقصاء.

غير أن ما يثير القلق في السنوات الأخيرة هو تنامي خطاب يجعل الوطنية ملكية خاصة لفئة بعينها. فهناك من يتحدث كما لو أنه وحده يملك مفاتيح فهم الدولة، ويقرأ نواياها، ويترجم إشاراتها، ويحدد من هو الوطني ومن هو المشكوك في ولائه. وهكذا تُختزل الدولة، بكل مؤسساتها وتعقيداتها، في تأويلات أفراد أو جماعات نصّبت نفسها أوصياء على الضمير الوطني.

وهنا يفقد النقاش العمومي توازنه. فبدل أن يكون الاختلاف حول السياسات والبرامج والاختيارات العمومية، يتحول إلى محاكمة للنوايا. ويصبح السؤال المطروح ليس: «هل هذا الرأي صائب؟»، بل: «هل صاحبه وطني؟». وعندما تُستبدل مناقشة الأفكار بتفتيش الضمائر، ينتقل المجتمع من السياسة إلى العقيدة، ومن الحوار إلى الإدانة، ومن النقد إلى التخوين.

إن الوطنية ليست عقيدة مغلقة، وليست امتيازًا يمنحه بعض المواطنين لغيرهم، كما أنها ليست وظيفة يمارسها أشخاص عبر منصات التواصل الاجتماعي أو المنابر الإعلامية. الوطنية، في معناها العميق، علاقة أخلاقية ومدنية بين المواطن ووطنه؛ تتجسد في احترام القانون، والإسهام في الصالح العام، والدفاع عن مؤسسات الدولة، والحرص على وحدتها، والالتزام بالحقيقة حتى عندما تكون مؤلمة.

ولذلك، فإن النقد المسؤول ليس نقيض الوطنية، بل أحد تجلياتها. فالمواطن الذي ينبه إلى الاختلالات، أو يدعو إلى إصلاح المؤسسات، أو ينتقد السياسات العمومية بالحجة والبرهان، لا ينتقص من وطنه، بل يمارس حقًا مدنيًا يسهم في تقوية الدولة. أما تحويل كل رأي مخالف إلى شبهة، وكل اختلاف إلى تهمة، فإنه يفضي إلى إفقار الحياة العامة، وإضعاف الثقة، وإنتاج مواطنين يفضلون الصمت على المشاركة.

ومن أخطر التحولات التي أفرزها الفضاء الرقمي بروز ما يمكن تسميته بـ«الوطنية الاستعراضية»؛ وهي وطنية تُقاس بحدة الخطاب، لا بعمق الالتزام، وبكثرة الشعارات، لا بحجم الإسهام في خدمة المجتمع. في هذا النموذج، يصبح الإفراط في المديح دليلًا على الإخلاص، بينما يُنظر إلى النقد، مهما كان موضوعيًا، بوصفه خروجًا عن الصف.

لكن الدول لا تُدار بالتصفيق والتنميق والدعاية ، ولا تُبنى بالمبالغات الخطابية والمديح المضلل، إنها تُبنى بالكفاءة، وبالمؤسسات، وبسيادة القانون، وبالمحاسبة، وبقدرة المجتمع على تصحيح أخطائه. والولاء الحقيقي للدولة لا يتمثل في تبرير كل شيء، وإنما في الحرص على ألا تنحرف مؤسساتها عن الغايات التي وُجدت من أجلها.

لقد علمتنا التجارب التاريخية أن أخطر ما يواجه الدول ليس وجود المعارضين، بل وجود من يزعمون أنهم يتحدثون باسمها أكثر مما تتحدث هي باسم نفسها. فحين يفوض أفراد أو جماعات لأنفسهم حق احتكار تمثيل الدولة في الفضاء العمومي، ويصادرون حق الآخرين في التعبير، فإنهم لا يحمون هيبة الدولة، بل يضعفونها، لأنهم يخلطون بين الدولة بوصفها مؤسسة للجميع، وبين تصوراتهم الخاصة عنها.

وفي الحالة المغربية، تبدو هذه المسألة أكثر أهمية وحساسية ، لأن قوة المغرب التاريخية لم تقم على الإقصاء، بل على قدرته على بناء وحدة وطنية استوعبت مكونات و روافد متعددة: العربية والأمازيغية، الإسلامية والأفريقية والأندلسية والحسانية والمتوسطيةوالعبرية . ولم يكن هذا التنوع عبئًا على الدولة، بل كان أحد أهم مصادر غناها واستمرارها. ولذلك فإن أي محاولة لاختزال الهوية الوطنية في تعريف واحد، أو في قراءة واحدة للتاريخ، أو في تصور واحد للوطنية، إنما تناقض التجربة المغربية نفسها.

إن الوطنية التي يحتاجها المغرب اليوم ليست وطنية الشعارات، بل وطنية المسؤولية. وطنية ترى في الاختلاف قوة، وفي القانون مرجعًا، وفي المؤسسات ضمانة، وفي الحقيقة قيمة لا يجوز التضحية بها مهما كانت الاعتبارات. إنها وطنية لا تخشى النقد، لأنها تثق في نفسها، ولا تحتاج إلى تخوين المختلف، لأنها تؤمن بأن الانتماء الصادق لا يُقاس بعلو الصوت، وإنما بصدق الفعل.

فالوطن لا يحتاج إلى أوصياء، بل إلى مواطنين أحرار، يختلفون في الرأي، ويتنافسون في خدمة الصالح العام، ويجتمعون على حماية الدولة ومؤسساتها، وصيانة وحدتها، والدفاع عن كرامة الإنسان. تلك هي الوطنية التي تبني الدول، أما الوطنية التي تتحول إلى وسيلة للاحتكار الرمزي وإقصاء المخالفين، فإنها لا تنتج إلا مزيدًا من الانقسام، وتفرغ الوطنية نفسها من مضمونها الأخلاقي والمدني.