تحليل

خطاب العرش 2026: الملك محمد السادس يطرح مفهومًا للقوة مبنيًا على الإنجازات لا على الخطابات

عبد الحكيم اليماني

تحتل الخطب الملكية التي تُلقى بمناسبة عيد العرش مكانة خاصة ضمن البنية المؤسسية المغربية. فهي لا تندرج ضمن فئة خطابات السياسة العامة، ولا ضمن فئة الكلمات البروتوكولية. بل تشكل، عامًا بعد عام، محطات متتالية في بناء عقيدة سياسية تتطور بالتراكم، حيث يستعيد كل خطاب التوجهات التي رسمتها الخطابات السابقة، ويواصلها أو يعدّلها أو يطوّرها. ويأتي خطاب سنة 2026، الذي أُلقي في وقت يستعد فيه المغرب لاستحقاق انتخابي تشريعي، امتدادًا لهذه الاستمرارية، مع تركيز خاص على سؤال جوهري يتمثل في: ما الذي يشكل، على وجه التحديد، مصدر قوة الدولة؟


لا تهدف هذه الدراسة إلى تقديم ملخص فقرةً بفقرة للنص. فمثل هذا النهج، رغم قيمته التوثيقية، قد يُغفل العنصر الأهم، وهو الترابط العام لخطاب يبدو في ظاهره مقتضبًا، لكنه ينطوي في جوهره على إعادة تعريف للمفردات ذاتها التي تقوم عليها القوة الإقليمية والدولية. ويتمثل الهدف هنا في تحديد العقيدة السياسية والمؤسسية والجيوسياسية التي تشكل البنية العميقة للخطاب، واستكشاف دلالاته الضمنية، ووضعه في سياقه الإقليمي والدولي.


ومن الضروري، منذ البداية، وضع احتراز منهجي. فما يرد في هذه الدراسة يندرج، في جانب مهم منه، ضمن التحليل التفسيري؛ إذ ستُقرأ بعض الصياغات باعتبارها حاملة لمعانٍ ضمنية ورسائل موجهة إلى أطراف لم يُذكر اسمها صراحة. وسيُعرض هذا النوع من القراءات دائمًا بوصفه تفسيرًا محتملاً، من خلال عبارات مثل: «يمكن تفسيره على أنه»، أو «يبدو أنه يعكس»، أو «يوحي بـ»، أو «يكشف عن». ولن يُقدَّم أي استنتاج تفسيري باعتباره حقيقة يقينية، بل ستحرص الدراسة، في كل مرحلة، على التمييز بين ما يصرح به النص صراحة وما يستند إلى قراءة تحليلية.


كما يجدر التذكير بالسياق الذي أُلقي فيه هذا الخطاب. فبعد سبعة وعشرين عامًا من اعتلاء الملك العرش، يستعد المغرب لتجديد مؤسساته التشريعية، في ظل بيئة إقليمية تصفها المنشورات المتخصصة، بشكل متقارب، بأنها تشهد تحولات أمنية وسياسية مهمة، ولا سيما في منطقة الساحل وداخل المنظومة المؤسسية لغرب إفريقيا. وفي هذا السياق المزدوج، الداخلي المرتبط بالاستحقاق الانتخابي، والإقليمي المرتبط بحالة عدم الاستقرار التي تعرفها عدة أطر للتعاون، يندرج الخطاب موضوع هذه الدراسة.


ويمكن صياغة الفرضية المركزية التي تسعى هذه الدراسة إلى إثباتها على النحو التالي: إن الملك محمد السادس يقابل، في هذا الخطاب، بين مفهوم للقوة يقوم على النتائج والاستقرار المؤسسي والأداء الاستراتيجي، وبين مفهوم آخر يقوم على الخطابة والإعلانات والشخصنة المفرطة للسلطة. فالخطاب لا يدّعي، في أي موضع منه، قيادة إقليمية، بل يؤكد أن نفوذ الدولة هو النتيجة الطبيعية لجودة مؤسساتها، واستقرارها السياسي، ومصداقيتها الدولية، وقدرتها على الاستشراف، وأدائها الاقتصادي، وسيادتها الاستراتيجية. وبعبارة أخرى، لا تُطرح القوة هنا باعتبارها هدفًا يُعلن عنه، وإنما باعتبارها ثمرة نموذج للدولة تتحدث نتائجه عن نفسها.


إعادة تعريف معيار القوة


تستحق الجملة التي يفتتح بها الخطاب فعليًا، بعد الاستهلال الديني والتعبير عن الشكر لله تعالى على نعمه، وقفة تحليلية معمقة: «لم يكن السعي وراء مجد شخصي، ولا الرغبة في نيل لقب "قائد قاري أو دولي"، هدفًا بالنسبة إليّ.»


هذه العبارة ليست مجرد افتتاحية عابرة، بل تمثل فعلًا لغويًا دقيقًا تتمثل وظيفته في استبعاد إطار معين لتفسير الحصيلة التي سيعرضها الخطاب، قبل الشروع في عرضها.


ومن اللافت أن الملك لا يقول: «المغرب هو القوة الإقليمية الأولى» أو «نحن الأفضل»، بل يقول: «أنا لا أسعى إلى اللقب.» والفرق بين العبارتين ليس فرقًا في الدرجة، بل في الطبيعة. فإعلان التفوق يندرج ضمن منطق المقارنة والتصريح، بينما رفض اللقب يندرج ضمن منطق المعيار. ومن خلال نزع القيمة الرمزية عن اللقب وإسنادها بالكامل إلى الفعل والإنجاز، ينقل الخطاب معيار الحكم إلى مستوى آخر؛ إذ لن يكون السؤال في الصفحات اللاحقة ما إذا كان المغرب يستحق الاعتراف به كقوة، وإنما ما الذي أنجزه المغرب بالفعل، وما الذي بناه، وما الذي استطاع تأمينه.


ويمكن تفسير هذه العملية البلاغية على أنها استجابة ضمنية لسياق إقليمي ودولي أصبحت فيه المطالبة بالمكانة ــ وهو ما توحي به مباشرة عبارة «قائد قاري أو دولي» الواردة في النص ــ تحتل موقعًا متزايد الأهمية في التنافس بين الدول، أحيانًا من خلال مواقف تسبق فيها الادعاءات البرهان، أو تحل فيه الخطابات محل الإنجازات.


ولا يذكر الخطاب أي فاعل أو دولة أو منافس بالاسم؛ فهو ليس نصًا في السياسة المقارنة يستهدف خصمًا محددًا، وإنما يوجه نقدًا، بصورة أكثر عمقًا، إلى نمط معين في ممارسة القوة: نمط يُعلن عن نفسه بالكلمات، في مقابل نمط يُبنى بالفعل.


كما أن اختيار المفردات ليس محايدًا فيما يتعلق باستخدام كلمة «الخطابة» أو «البلاغة»، التي ترد لاحقًا عندما يشير الملك إلى ضرورة أن «يسود مناخ من الثقة والتفاؤل» بدلًا من «كل خطاب من شأنه أن يغذي اليأس والإحباط». فالكلمة، في معناها المتداول، تشير إلى فن الإقناع بالكلام، غير أن استخدامها هنا بصيغة سلبية يوحي بعدم الثقة في المواقف التي تحل فيها الأقوال محل السياسات العمومية.


ومن الممكن قراءة هذا الموقف، مع التحفظ الذي يفرضه النص وإمكانية وجود قراءات أخرى، باعتباره تنبيهًا موجهًا في آن واحد إلى المحيط الخارجي وإلى النقاش السياسي الداخلي، خاصة في ظرف يستعد فيه البلد لتجديد مؤسساته المنتخبة.


وبذلك يؤسس هذا الجزء الأول من الخطاب للإطار التفسيري الذي يحكم مجمل مضمونه: فالقوة ليست لقبًا يُطالب به، وإنما خاصية تُستنتج من ملاحظة الوقائع والإنجازات.


الدولة قبل القائد: عقيدة في ممارسة السلطة


يؤكد الخطاب، عند حديثه عن المنجزات التي تم تعدادها، أن «نتائج عملنا لم تكن وليدة الصدفة»، وإنما هي «ثمرة رؤية استراتيجية واضحة وعقيدة في ممارسة السلطة، تقوم على المبادرة، والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البنّاء، والإرادة الحقيقية للتوجه نحو المستقبل بعزم وإيجابية.»


وتستحق هذه الصياغة وقفة خاصة، لأنها تُحدث انتقالًا ثانيًا، مكمّلًا للانتقال الأول، يتمثل في نقل مركز الثقل من القائد إلى الدولة، أو بالأحرى إلى عقيدة في الحكم تُقدَّم بوصفها منظومة قابلة للاستمرار وإعادة الإنتاج، بصرف النظر عن الشخص الذي يجسدها في مرحلة معينة.


ومن اللافت أن الخطاب لا يعزو النتائج المتحققة إلى صفات شخصية، مثل الكاريزما، أو رؤية فرد واحد، أو موهبة استثنائية، وإنما ينسبها إلى منهج عمل يقوم على المبادرة، والمتابعة، والنقد الذاتي، والاستشراف. وتشكل هذه العناصر الأربعة معجمًا أقرب إلى إدارة الشأن العام منه إلى الحكم القائم على الزعامة الشخصية. فهي تشير إلى نموذج تُستمد فيه فعالية الدولة من آليات مؤسساتية راسخة؛ إذ إن المتابعة الدقيقة تفترض وجود أجهزة للمراقبة والتقييم، كما أن النقد الذاتي البنّاء يفترض القدرة على مراجعة الأداء وتصحيح الاختلالات، بدل الاعتماد على الإرادة الفردية وحدها.


ويمكن ربط هذا التأكيد بمقطع آخر من الخطاب، يذكّر فيه الملك بأن انشغاله لم يكن يومًا مدفوعًا بـ**«رغبة في تحقيق رضا شخصي»، بل بـ«شعور مطمئن بالثقة والسكينة»** موجّه نحو المستقبل الجماعي. ويستبعد بناء الخطاب، بصورة منهجية، منطق الإنجاز الفردي، ليحل محله منطق الاستمرارية المؤسسية. فالقائد يتراجع، في طريقة صياغة الخطاب، خلف العقيدة التي يجسدها، والتي يقدمها باعتبارها قابلة للانتقال والاستمرار؛ وهي فكرة سيجد القارئ صداها لاحقًا في التمنيات التي يعبر عنها الملك بشأن المرحلة التي ستلي الانتخابات التشريعية المقبلة.


ويختلف هذا الاختيار في بناء الخطاب عن نموذج يمكن ملاحظته في عدد من السياقات الدولية المعاصرة، حيث تختزل النجاحات الوطنية في السردية الشخصية للزعيم. ورغم أن الخطاب لا يجري هذه المقارنة بشكل مباشر، فإن الطريقة التي يبني بها حججه ــ بإسناد النتائج إلى منهج لا إلى شخص ــ يمكن قراءتها باعتبارها مسافة ضمنية تفصله عن هذا النموذج.


وتندرج هذه العقيدة في ممارسة السلطة ضمن تقليد في الحكم يصفه الخطاب نفسه بأنه «عريق»، حين يتحدث عن «دولة ـ أمة تؤدي فيها المؤسسات أدوارها بروح من الانسجام والتكامل». وتؤدي الإحالة إلى الامتداد التاريخي للنموذج المؤسسي المغربي وظيفة حجاجية واضحة؛ إذ لا تُقدَّم الإنجازات الحديثة بوصفها قطيعة مع الماضي أو نتاجًا لظروف استثنائية، وإنما باعتبارها التعبير المعاصر عن استمرارية تاريخية طويلة الأمد.


وبذلك يربط الخطاب عقيدة «القوة من خلال النتائج» بزمن يتجاوز الدورات السياسية والانتخابية، ويمنحها، من خلال هذا الربط، طابعًا من الديمومة والاستقرار في مواجهة تقلبات الظرفية الداخلية والإقليمية.


المؤسسات باعتبارها العامل الأول للقوة


يستحق مقطع من الخطاب اهتمامًا خاصًا بالنظر إلى الأطروحة العامة التي تقوم عليها هذه الدراسة، وهو المقطع الذي يؤكد فيه الملك أن «ما يدعو إلى أكبر قدر من الفخر هو الأمن والاستقرار اللذان يسودان المغرب، إلى جانب الأداء الفعال للمؤسسات العمومية.»


تحدد هذه العبارة ترتيبًا واضحًا لأولويات الفخر الوطني، حيث تضع الاستقرار المؤسساتي قبل الأداء الاقتصادي نفسه، رغم أن هذا الأخير سيحظى لاحقًا في الخطاب بعرض مفصل ومدعوم بالأرقام.


ولا يبدو هذا الترتيب اعتباطيًا؛ فهو يعكس عكس الترتيب الذي قد يكون طبيعيًا في خطاب تقليدي حول الحصيلة، حيث يبدأ عادة بالنتائج الاقتصادية، باعتبارها قابلة للقياس وسهلة التقديم، ثم يتم الانتقال بعد ذلك إلى الحديث عن جودة المؤسسات باعتبارها عنصرًا أكثر تجريدًا. غير أن وضع الاستقرار في مقدمة عناصر الفخر يعني أن الخطاب يعتبره شرطًا أساسيًا لإمكان تحقق باقي النتائج؛ فالنمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتنويع القاعدة الصناعية، لا تصبح ممكنة، وفق هذه الرؤية، إلا بفضل إطار مؤسساتي مستقر وفعال.


وتجد هذه القراءة ما يدعمها في العبارة التي يصف فيها الخطاب «الاستقرار السياسي والمؤسساتي بأنه رصيد نادر وميزة ذات قيمة لا تقدر بثمن»، وهي صياغة تختزل، في جملة واحدة، جوهر الأطروحة التي يدافع عنها الخطاب.


فمصطلح «رصيد نادر» يستعير من المجال الاقتصادي، وبشكل خاص من مفاهيم الندرة والقيمة، ليطبقه على المجال السياسي. ومن خلال هذا الاستخدام، يفترض الخطاب وجود سياق مقارن؛ إذ لا تصبح الاستقرار قيمة نادرة إلا بالمقارنة مع بيئة لا تشكل فيها هذه الحالة قاعدة عامة.


ويحدد النص هذا السياق من خلال الإشارة إلى «محيط إقليمي ودولي يعيش على وقع العديد من الاضطرابات والتوترات المتعددة»، دون تسمية أي وضع أو حالة بعينها. ويمكن قراءة ذلك باعتباره طريقة حذرة وغير تصادمية لوضع الأداء المغربي في مقابل بيئة إقليمية تُقدَّم باعتبار أن عدم الاستقرار أصبح أحد سماتها الأساسية، في مقابل نموذج من الاستقرار يقدمه الخطاب باعتباره خاصية مميزة للمملكة.


ويذهب الخطاب إلى أبعد من ذلك حين يصف الاستقرار بأنه «متغير أساسي في معادلة التنمية بالمغرب» و**«رأسمال استراتيجي»**. إن الانتقال الدلالي من مجال الأمن والسياسة إلى مجال الرأسمال الاقتصادي ـ أي مورد يتم تراكمه واستثماره وتحقيق عوائد منه ـ يكشف أن الاستقرار لا يقدم فقط باعتباره قيمة قائمة بذاتها، وإنما باعتباره أصلًا منتجًا يتيح تحقيق مختلف الإنجازات التي سيتم ذكرها لاحقًا.


وهنا تظهر، بشكل أكثر وضوحًا، العلاقة الأساسية التي يقوم عليها منطق الخطاب: فالقوة القائمة على النتائج تفترض مسبقًا قوة قائمة على الاستقرار، وهذا الاستقرار نفسه ينتج عن جودة المؤسسات.


وبذلك تصبح المؤسسات، في هذا التصور، ليست مجرد أدوات لتنفيذ السياسات، وإنما تمثل أحد المصادر الأساسية للقوة الوطنية؛ لأنها توفر الإطار الذي يسمح بتحويل الرؤية الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة، وتحويل الطموحات إلى قدرات فعلية.


الإشارات الضمنية: قراءة في ما وراء الخطاب


إلى جانب بنيته العامة، يتضمن الخطاب عدة صيغ تتجاوز دلالتها وظيفتها الوصفية المباشرة. وتستحق هذه العبارات أن تُعزل وتُدرس واحدة تلو الأخرى، مع الحرص على عدم دفع عملية التأويل إلى ما يتجاوز الحدود التي يسمح بها النص بشكل معقول.


ذكر «الحاسدين»


تشكل الإشارة إلى «الحاسدين» ــ عندما يتحدث الملك عن «علامات الإعجاب والتقدير» التي حظي بها المغرب بمناسبة تنظيم تظاهرات قارية ودولية، «دون أن يخلو الأمر من إثارة بعض الحاسدين في بعض المناسبات» ــ واحدة من المقاطع النادرة في هذا النوع من الخطابات.


فمن غير المعتاد أن يعترف خطاب من هذا المستوى بشكل صريح بوجود ردود فعل سلبية أو تنافسية قد تثيرها نجاحات دولة ما. ويمكن تفسير هذا المعطى باعتباره محاولة لاستباق أي انتقادات خارجية محتملة؛ إذ إن تسمية الظاهرة ــ أي الغيرة التي قد تثيرها النجاحات ــ تجعلها تبدو أقل تأثيرًا، وتقدمها باعتبارها نتيجة متوقعة للنجاح، بل وربما علامة عليه، بدل أن تكون تهديدًا حقيقيًا.


ويتمثل الأسلوب البلاغي هنا في إدماج النقد المتوقع داخل سردية النجاح نفسها، بحيث يصبح الاعتراض جزءًا من تفسير الإنجاز وليس نقيضًا له.


إدارة استباقية للكوارث


أما الإشارة إلى «التدبير الاستباقي للفيضانات التي مست منطقة الغرب وشمال البلاد» فتندرج ضمن سجل مختلف، هو سجل قدرة المؤسسات على الصمود في مواجهة الأزمات.


ويستحق اختيار صفة «استباقي» بدلًا من أوصاف أخرى مثل «فعال» أو «سريع» اهتمامًا خاصًا؛ لأنها توحي بوجود قدرة على التوقع والتحضير المسبق، وليس مجرد التدخل بعد وقوع الأزمة.


وتنسجم هذه الصياغة مع العقيدة التي قدمها الخطاب في بدايته، حيث تم إدراج الاستشراف ضمن الكلمات المفتاحية لعقيدة ممارسة السلطة. وهكذا تصبح إدارة الكوارث الطبيعية، في البناء العام للخطاب، مثالًا تطبيقيًا على منهج الحكم المعلن، وليست مجرد فقرة منفصلة عن باقي المضمون.


الموسم الفلاحي والأمن الغذائي والمائي


كما يمكن قراءة الإشارة إلى الموسم الفلاحي 2025-2026، الذي وُصف بأنه إيجابي بعد سنوات اضطر خلالها المغرب إلى مواجهة ضغط مائي موثق في العديد من الدراسات الوطنية والدولية، باعتبارها تحمل دلالة تتجاوز مجرد المعطى الزراعي.


فربط هذه الظرفية الملائمة بتعزيز «الأمن المائي والغذائي» يضع حدثًا مرتبطًا بعامل طبيعي ــ وهو تحسن التساقطات ــ داخل إطار أوسع يتعلق بمفهوم السيادة. وهذا يوحي برغبة في تقديم هذا التحسن ليس باعتباره مجرد نتيجة لحظية لظروف مناخية مواتية، وإنما باعتباره مؤشرًا، ولو مرحليًا، على مسار طويل من بناء القدرة على الصمود.


القوة الإقليمية: من المكانة إلى القدرة


لا يظهر مصطلح «القوة الإقليمية» في الخطاب إلا في موضع واحد، وهذا الموضع يحمل دلالة خاصة؛ إذ يرتبط تحديدًا بإقامة «قاعدة صناعية وتكنولوجية للدفاع والأمن السيبراني»، حيث يشير الملك إلى أنها «ستعزز مكانة القوة الإقليمية التي يستحقها بلدنا في هذه المجالات.»


ومن اللافت أن الخطاب، الذي يبدأ برفض واضح للسعي وراء لقب «قائد إقليمي أو دولي»، لا يستخدم مفهوم القوة الإقليمية إلا في سياق قطاعي محدد، يتعلق بصناعات الدفاع والأمن السيبراني، وليس باعتباره إعلانًا عن مكانة جيوسياسية شاملة.


ويمكن تفسير هذا التحديد باعتباره محاولة للجمع بين مسارين في الخطاب: الأول هو رفض المطالبة الرمزية بالقيادة على المستوى العام، والثاني هو تأكيد امتلاك موقع قوة في مجالات محددة ذات أهمية استراتيجية.


وبهذا المعنى، لا تُقدَّم القوة باعتبارها لقبًا أو وضعًا سياسيًا يُعلن عنه، وإنما باعتبارها قدرة ملموسة يمكن قياسها قطاعًا بعد آخر.


خلاصة الإشارات الضمنية


تكشف هذه الإشارات المختلفة أن الخطاب لا يكتفي بعرض حصيلة من الإنجازات، بل يبني تصورًا متكاملًا لمفهوم القوة؛ حيث تصبح القدرة على الاستباق، والمرونة في مواجهة الأزمات، وتحويل النجاحات القطاعية إلى قدرات استراتيجية، عناصر أساسية في تعريف مكانة الدولة.


فالقوة، وفق هذا المنطق، لا تُثبت عبر الشعارات أو الادعاءات، وإنما عبر تراكم القدرات والمؤسسات والنتائج.


السيادة الشاملة باعتبارها شرطًا للحرية الاستراتيجية


يطور الخطاب، بطريقة قد لا تكون واضحة مباشرة أمام القارئ المستعجل، تصورًا للسيادة يتجاوز بكثير المجال الترابي أو الدبلوماسي وحده، ليمتد إلى عدد كبير من القطاعات الحيوية. فالأمن الغذائي والمائي يُذكر بشكل مباشر في سياق الحديث عن الموسم الفلاحي 2025-2026، الذي وُصف بأنه إيجابي، والذي يؤكد الخطاب أنه جعل البلاد تتوفر على «أمن مائي وغذائي أكثر تعزيزًا».


أما السيادة الطاقية فتجد تعبيرها في تطوير الطاقات المتجددة، التي يقدمها الخطاب باعتبارها ستصبح «ركيزة من ركائز الأمن الطاقي»، وبشكل خاص من خلال تفعيل العرض الوطني المتعلق بالهيدروجين الأخضر، حيث يشير الخطاب إلى الانتقال نحو مرحلة منح التراخيص العملية لمجموعة أولى من المشاريع الكبرى.


وتتجسد البعد الصناعي لهذه السيادة في قطاعي السيارات والطيران، حيث يشير النص إلى أن هذين القطاعين تجاوزا، من حيث حصتهما من الصادرات الوطنية، القطاع التاريخي المرتبط بالفوسفاط. وهذا التحول لا يحمل فقط دلالة اقتصادية مرتبطة بالأرقام، بل يحمل أيضًا رمزية مرتبطة بتاريخ الاقتصاد المغربي، باعتباره يعكس انتقالًا نحو صناعات ذات قيمة مضافة أعلى.


كما أن الإشارة إلى دخول المغرب «الدائرة المحدودة للدول التي تتوفر على أكبر المراكز المتخصصة في تصنيع محركات وأنظمة هبوط الطائرات» تندرج ضمن المنطق نفسه؛ أي منطق قياس السيادة الصناعية بمدى التحكم في حلقات تكنولوجية متقدمة، وليس فقط بحجم الإنتاج.


ويمتد البعد التكنولوجي لهذه السيادة من خلال الإشارة إلى تطوير «قطاع متكامل للبطاريات الكهربائية»، والذي يقدمه الخطاب بشكل صريح باعتباره دليلًا على قدرة البلاد «على استباق التحولات التكنولوجية المقبلة». وهي صياغة تعود مرة أخرى إلى مفهوم الاستباق الذي شكل منذ بداية الخطاب أحد عناصر عقيدة ممارسة السلطة.


أما السيادة الدوائية والغذائية، فيتم دعمها بأرقام دقيقة نسبيًا مقارنة بما هو مألوف في هذا النوع من الخطابات؛ إذ يشير النص إلى أن هذه الصناعات أصبحت تغطي «نحو 80 في المائة من الحاجيات الوطنية». ويأتي هذا الرقم لتوثيق ما يصفه الخطاب في الوقت نفسه بأنه «تعزيز للسيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي»، باعتبارهما من «المحاور الأساسية للتنمية الصناعية».


ويظهر الجانب الأمني المباشر لهذا التصور الموسع للسيادة من خلال الإعلان عن إحداث قاعدة صناعية وتكنولوجية للدفاع والأمن السيبراني، التي سبقت الإشارة إليها. وإن الجمع بين الدفاع والأمن السيبراني في جملة واحدة يوحي بأن الخطاب ينظر إلى السيادة الرقمية باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للسيادة العسكرية، مع ضرورة الإشارة إلى أن النص لا يستخدم حرفيًا مصطلح «السيادة الرقمية»، وبالتالي فإن هذا الاستنتاج يظل قراءة تحليلية لا تصريحًا مباشرًا.


وما يلفت الانتباه في تراكم هذه المجالات المختلفة ــ الغذائية، والمائية، والطاقية، والصناعية، والتكنولوجية، والدوائية، والأمنية ــ هو تقديمها مجتمعة في سياق يتحدث عن «عودة النزعات الحمائية» و**«ضرورة تأمين سلاسل التوريد والإنتاج»**، وهي عناصر يربطها الخطاب صراحة بالسياق الدولي الراهن.


فالسيادة، وفق هذا التصور، لا تُطرح باعتبارها مبدأً مجردًا أو شعارًا سياسيًا، وإنما باعتبارها شرطًا ماديًا لامتلاك هامش من الحركة الاستراتيجية. ويمكن التعبير عن ذلك، باستخدام مفهوم ليس واردًا حرفيًا في النص لكنه ينسجم مع منطقه، باعتباره حرية استراتيجية؛ أي قدرة الدولة على عدم الخضوع بالكامل للاختيارات الاقتصادية والأمنية التي يفرضها عليها فاعلون خارجيون.


وبذلك يقدم الخطاب مفهومًا موسعًا للسيادة، لا يقتصر على حماية الحدود أو الاستقلال السياسي، وإنما يشمل امتلاك القدرات التي تسمح للدولة بالاختيار والمناورة والاستمرار في بيئة دولية تتسم بتزايد المنافسة والاضطراب.


دبلوماسية العرض: شراكات متوازنة ومتنوعة


يخصص الخطاب حيزًا مهمًا للحديث عن مكانة المملكة الدولية، وهو جزء يستحق أن يُقرأ في ارتباط مباشر مع الأقسام السابقة؛ إذ إن المغرب، وفق التصور الذي يقدمه الخطاب، لا يستطيع تبني سياسة خارجية أكثر فاعلية إلا انطلاقًا من امتلاكه مؤسسات مستقرة وسيادة قطاعية متعززة.


ويؤكد النص أن المملكة «ترسخت باعتبارها فاعلًا دوليًا ذا مصداقية، يحظى بالاحترام والإنصات»، وأنها أصبحت تبرز باعتبارها «فاعلًا اقتصاديًا من الطراز الأول وشريكًا مطلوبًا للمشاركة في شراكات جديدة ومتوازنة وموجهة نحو المستقبل».


وتستحق هذه الصياغة تأملًا خاصًا؛ فالخطاب لا يدعي بشكل حرفي موقعًا قائمًا على المساواة مع جميع الشركاء، كما أنه لا يستخدم عبارة «شراكة على قدم المساواة»، غير أن المنطق الذي يحكم هذا الجزء من الخطاب يسير في هذا الاتجاه.


فالمغرب يُقدَّم هنا ليس باعتباره طرفًا يتلقى شراكات تُعرض عليه، وإنما باعتباره فاعلًا قادرًا على «مخاطبة جميع شركائه بكل ثقة وشفافية»، وعلى «تقديم عروض شراكة بناءة ومبادرات تعاون واعدة».


ويشكل هذا الانتقال من منطق طلب الشراكات إلى منطق عرض الشراكات أحد أبرز المؤشرات على طبيعة الوضعية الدبلوماسية التي يسعى الخطاب إلى تكريسها. فالمملكة، وفق هذه الرؤية، لا تكتفي بالبحث عن موقع داخل منظومات التعاون القائمة، بل تقدم نفسها باعتبارها طرفًا يساهم في صياغة مشاريع وتوجهات جديدة.


وترتبط هذه الدبلوماسية القائمة على العرض باستراتيجية تنويع واضحة، حيث يؤكد الخطاب أن المملكة «اختارت تنويع شراكاتها من أجل تعزيز قدراتها وتوسيع نطاق تأثيرها في مختلف المجالات».


ويمكن قراءة هذا التنويع باعتباره مبدأً منسجمًا مع منطق السيادة الذي تم تطويره في القسم السابق؛ إذ إن الاعتماد المفرط على شريك واحد، مهما كانت أهميته، لا ينسجم مع طموح بناء استقلالية استراتيجية أوسع.


ومن هذا المنظور، فإن تنويع الشراكات الخارجية يمثل الوجه المقابل للسيادة الداخلية: فالأولى تهدف إلى تقليص المخاطر المرتبطة بالتبعية الخارجية، بينما تسعى الثانية إلى تعزيز قدرة الدولة على التحكم في مواردها وقراراتها داخل المجال الوطني.


وعند وضع هذا المنطق ضمن السياق الأوسع للسياسة الخارجية المغربية خلال السنوات الأخيرة، فإنه ينسجم مع توجه سبق أن ظهر من خلال تعزيز التعاون مع عدد من الدول الإفريقية، وخاصة عبر مشاريع مرتبطة بربط الدول الساحلية وغير الساحلية بمبادرات اقتصادية وبنى تحتية استراتيجية، إلى جانب تطوير علاقات مع قوى غربية تقليدية.


ولا يذكر الخطاب هذه الأوراش بشكل مباشر، لكنه يعكس انسجامًا مع هذا المسار السابق، ما يوحي بأن دبلوماسية العرض التي يكرسها ليست تحولًا جديدًا بقدر ما هي صياغة نظرية ومبدئية لممارسة دبلوماسية قائمة.


كما يلاحظ أن الخطاب لا يذكر أي شريك دولي بالاسم. وهذه الغياب المتعمد للتسمية، الذي يطبع معظم أجزاء النص باستثناء الإشارات الداخلية إلى المؤسسات الوطنية والذاكرة التاريخية، يمنح الخطاب طابعًا عامًا يسمح لمختلف الشركاء، سواء كانوا غربيين أو أفارقة، بأن يجدوا فيه مساحة للتفاعل وفق طبيعة علاقتهم الخاصة مع المملكة.


وبذلك يقدم الخطاب تصورًا لدبلوماسية لا تقوم فقط على الحفاظ على العلاقات القائمة، وإنما على بناء موقع يسمح للمغرب بالانتقال من موقع الباحث عن الفرص إلى موقع الفاعل الذي يقدم المبادرات ويقترح مجالات التعاون.


المخاطَبون الضمنيون في الخطاب


إن خطابًا من هذا النوع يتوجه في الوقت نفسه إلى عدة فئات من المتلقين، تختلف انتظاراتها وطرق قراءتها للنص بشكل كبير. ودون الادعاء بالإحاطة بكل هذه الفئات أو إسناد نوايا إلى الخطاب لا يمكن إثباتها، يمكن تحديد مجموعة من المخاطَبين الذين يبدو حضورهم، بشكل ضمني، قائمًا في مضمون الخطاب نفسه.


الرأي العام المغربي


يشكل الرأي العام المغربي المخاطَب الأول والأكثر مباشرة، لا سيما من خلال النداء المتكرر «شعبي العزيز» الذي يطبع مختلف أجزاء الخطاب.


وإلى هذا الجمهور يتوجه التذكير بالمكتسبات الاجتماعية، وتعميم الحماية الاجتماعية، وضرورة أن تشمل برامج التنمية الترابية المندمجة «جميع الجهات دون أي استثناء».


وتحمل هذه الصياغة، بسبب دقتها، دلالة خاصة؛ إذ توحي بوجود وعي باستمرار بعض الفوارق المجالية، وبالحاجة إلى جعل التنمية أكثر شمولًا وتوازنًا بين مختلف مناطق المملكة.


فالخطاب لا يكتفي بعرض الإنجازات، وإنما يربطها أيضًا بتحدٍّ مستقبلي يتمثل في ضمان استفادة مختلف المجالات الترابية من الدينامية التنموية نفسها.


الحكومة المقبلة بعد الانتخابات التشريعية


يشكل المستقبل الحكومي الناتج عن الانتخابات التشريعية المقبلة مخاطَبًا ثانيًا، وهو الأكثر حضورًا بشكل صريح في النص.


فقد عبّر الملك عن أمله في أن تنطلق، بعد الانتخابات، «دورة جديدة يكون شعارها تحصين المكتسبات ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى».


وتأتي هذه العبارة في شكل توصية موجهة إلى حكومة لم تتشكل بعد، وهي امتداد مباشر لفكرة الاستمرارية المؤسساتية التي تمت دراستها سابقًا.


فالمكتسبات التي تحققت، حسب الخطاب، «تتجاوز الولاية الحكومية والبرلمانية»، وتندرج ضمن «دينامية تراكمية إيجابية» تتجاوز حدود الدورة الانتخابية.


وبالتالي فإن الرسالة الموجهة إلى الحكومة المقبلة لا تتمثل في تقديم برنامج سياسي جديد، بقدر ما تتمثل في تحديد إطار عام للعمل: أيًّا كان لونها السياسي، فهي مدعوة إلى مواصلة مسار يعتبره الخطاب قائمًا على تراكمات سابقة.


القطاع المالي والمستثمرون


يشكل القطاع المالي الوطني والمستثمرون مخاطَبًا ثالثًا يمكن تحديده بوضوح، حيث يوجه الخطاب إليهم دعوة مباشرة عندما يحث «القطاع المالي الوطني على مواصلة مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى»، وعلى «توسيع الولوج إلى التمويلات بشكل نوعي».


كما أن الدعوة إلى تعبئة أكبر للادخار الوطني، وخاصة الادخار المؤسساتي، وإلى تنشيط الأسواق المالية، تستهدف فاعلين يعتمد عليهم بشكل كبير في تحقيق المشاريع الصناعية والطاقية والاستراتيجية التي عرضها الخطاب.


فنجاح هذه الأوراش لا يرتبط فقط بالقرارات العمومية، وإنما كذلك بقدرة المنظومة المالية على توفير التمويل اللازم وتحويل الطموحات الاقتصادية إلى مشاريع فعلية.


الشركاء الدوليون


يمكن اعتبار الشركاء الغربيين، ومن بينهم فرنسا التي تحتل مكانة خاصة في السياق الدبلوماسي المغربي خلال السنوات الأخيرة، من المخاطَبين الضمنيين للجزء المتعلق بدبلوماسية العرض، رغم أن الخطاب لا يذكرهم بالاسم.


كما يشكل الشركاء الأفارقة، خاصة في إطار استراتيجية تنويع الشراكات التي يؤكد عليها الخطاب، جمهورًا آخر يمكن استحضاره ضمن هذه القراءة.


وتنسجم هذه الفئة من المخاطَبين مع التصور العام للسياسة الخارجية المغربية، القائم على توسيع دوائر التعاون وبناء علاقات متعددة الأبعاد.


المحيط الإقليمي


يمثل المحيط الإقليمي بدوره مخاطَبًا ضمنيًا أخيرًا. فالدول التي تعيش أوضاعًا تختلف عن حالة الاستقرار التي يؤكد عليها الخطاب تشكل جزءًا من السياق الذي يمنح لهذا الخطاب معناه.


غير أن هذا الاستنتاج يبقى في إطار القراءة التحليلية، وليس في إطار تصريح مباشر من النص، لأن الخطاب يحرص، كما سبقت الإشارة، على تجنب تسمية أطراف أو دول بعينها.


خلاصة


تكشف تعددية المخاطَبين أن الخطاب لا يؤدي وظيفة واحدة، بل يجمع بين عدة رسائل في آن واحد: رسالة طمأنة للرأي العام الداخلي، ورسالة توجيه للحكومة المقبلة، ورسالة تحفيز للفاعلين الاقتصاديين، ورسالة ثقة للشركاء الدوليين.


وبذلك يتحول الخطاب من مجرد عرض للحصيلة إلى إطار يحدد قواعد المرحلة المقبلة، سواء على المستوى الداخلي أو في علاقة المغرب بمحيطه الخارجي.


الخلاصة الاستشرافية


لا يسعى خطاب العرش لسنة 2026 إلى إثبات أن المغرب قوة إقليمية بالمعنى الذي يُستخدم فيه هذا المفهوم عادة في النقاش الجيوسياسي المعاصر؛ أي باعتباره مكانة يتم إعلانها، أو مقارنتها بمكانة دول أخرى، أو تقديمها كطموح على الساحة القارية أو الدولية.


بل يقترح، بشكل أعمق، معيارًا مختلفًا لتعريف القوة نفسها: فالقوة، وفق هذا التصور، لا تنتج عن التصريحات، ولا عن الطموحات المعلنة، ولا عن سرديات العظمة، وإنما تقاس بقدرة الدولة على إنتاج الاستقرار، وضمان فعالية مؤسساتها، وخلق الثروة، والابتكار، وحماية سيادتها، واستقطاب ثقة شركائها.


وهذا، ربما، ما يمنح هذا الخطاب خصوصيته مقارنة بخطابات مماثلة؛ فالملك لا يطالب بالقوة ولا يعلن امتلاكها، بل يعيد تعريف الشروط التي تجعل الاعتراف بها ممكنًا.


غير أن هناك ملاحظة تحليلية ضرورية ينبغي تسجيلها، باعتبارها جزءًا من أي دراسة جادة: فالفعل المتمثل في رفض الخطابة لا يخرج بشكل كامل من المجال الخطابي نفسه. فالقول إن المرء لا يبحث عن الإعلان أو الترويج هو، في حد ذاته، تصريح علني يصدر في إطار رسمي أمام جمهور وطني ودولي، وهو ما يخلق نوعًا من التوتر بين مضمون العبارة وطبيعتها كفعل لغوي.


وهذا التوتر لا يلغي الأطروحة التي يدافع عنها الخطاب، وإنما يدعو فقط إلى التعامل معها باعتبارها موضوعًا لغويًا يمتلك بدوره فعالية بلاغية، مهما بدا أسلوبه هادئًا وغير مباشر، تمامًا كما تمتلك الخطابات التي يرفضها ضمنيًا طابعها الإقناعي.


وفي نهاية المطاف، فإن صلابة عقيدة القوة القائمة على النتائج ستتحدد ليس من خلال طريقة صياغتها فقط، وإنما من خلال مدى تحققها الفعلي على أرض الواقع خلال الأشهر والسنوات المقبلة.


وإذا تأكدت هذه القراءة خلال الفترة القادمة، فإنه سيكون من الممكن اختبارها من خلال مجموعة من التطورات التي يمكن رصدها خلال ثلاثة إلى ستة أشهر.


أول هذه المؤشرات يتعلق بالانتقال الحكومي نفسه؛ إذ إن الطريقة التي ستندمج بها الحكومة المقبلة المنبثقة عن الانتخابات التشريعية، أو لا تندمج، ضمن إطار الاستمرارية الذي حدده الخطاب، ستشكل مؤشرًا مباشرًا على مدى قوة عقيدة الاستمرارية المؤسساتية التي يؤكد عليها.


فحدوث تغيير في الأغلبية الحكومية مصحوبًا بتحول كبير في التوجهات الاقتصادية أو الاجتماعية قد يجعل فرضية استقلال قوة الدولة عن الدورة السياسية أكثر تعقيدًا.


أما المؤشر الثاني فيتعلق بالتنفيذ الفعلي للمشاريع الكبرى المرتبطة بالسيادة القطاعية التي ورد ذكرها في الخطاب، وخاصة وتيرة تنزيل المشاريع الكبرى المرتبطة بعرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر، وتطور القاعدة الصناعية للدفاع والأمن السيبراني، ومدى تقدم تغطية الحاجيات الوطنية في مجالي الصناعات الدوائية والغذائية.


فهذه المشاريع، التي قُدمت باعتبارها دليلًا ملموسًا على عقيدة القوة القائمة على النتائج، ستكون المجال الذي ستُختبر فيه هذه العقيدة عمليًا.


ويتعلق المؤشر الثالث بمستوى التفاعل الدولي مع الخطاب، خاصة من جانب الشركاء الغربيين والأفارقة الذين يبدو أن الجزء المتعلق بدبلوماسية العرض موجه إليهم بشكل ضمني.


فالطريقة التي سيترجم بها هؤلاء الشركاء، أو لن يترجموا، الاعتراف بمغرب يوجد في موقع تقديم المبادرات بدل الاكتفاء بطلبها، ستكون اختبارًا عمليًا لطبيعة المكانة الدبلوماسية التي يسعى الخطاب إلى تكريسها.


وأخيرًا، ينبغي وضع هذا التحليل ضمن سياق استمرار الأعمال السابقة لـ معهد جيوسياسة آفاق المتعلقة بالمسار المؤسساتي للمملكة، وخاصة تلك التي أبرزت ظهور نموذج للدولة باعتبارها منظومة من الروابط الاستراتيجية المستقرة، وليس مجرد انعكاس لسلطة شخصية.


ومن هذا المنظور، لا يمثل خطاب العرش لسنة 2026 قطيعة في العقيدة السياسية، بل يشكل توضيحًا مكثفًا لعقيدة كانت ملامحها موجودة في خطابات سابقة.


وهذه الاستمرارية، بقدر ما يتعلق الأمر بمضمون خطاب هذه السنة، هي التي تمنحه قيمة خاصة كموضوع للدراسة والتحليل الجيوسياسي على المدى الطويل.