لم يكن الشق الاقتصادي من الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش مجرد عرض لمؤشرات الاقتصاد الوطني أو استعراض للإنجازات المحققة، بل شكل إعلاناً عن دخول المغرب مرحلة جديدة من مساره التنموي، عنوانها بناء اقتصاد أكثر سيادة، وأكثر تنافسية، وأكثر قدرة على مواجهة التحولات العالمية.
فالرسالة الأولى التي حملها الخطاب هي أن الاستقرار السياسي والمؤسساتي أصبح اليوم أهم رأسمال اقتصادي للمغرب. ففي عالم يتسم بتصاعد الأزمات الجيوسياسية والحمائية الاقتصادية واضطراب سلاسل الإمداد، لم تعد الاستثمارات تبحث فقط عن الامتيازات الضريبية أو انخفاض كلفة الإنتاج، بل أصبحت تبحث قبل كل شيء عن بيئة مستقرة، ومؤسسات قوية، ورؤية استراتيجية واضحة.
كما أبرز الخطاب أن المغرب تجاوز مرحلة البحث عن الاستثمارات التقليدية، ليدخل مرحلة التموقع في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية. فصناعة السيارات والطيران، وإنتاج البطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدفاعية والتكنولوجية، أصبحت تمثل ركائز الاقتصاد المغربي الجديد. وهو تحول يعكس انتقال المملكة من منطق التجميع الصناعي إلى منطق الاندماج في سلاسل القيمة العالمية الأكثر تقدماً.
ومن أهم الرسائل التي تضمنها الخطاب أيضاً توسيع مفهوم السيادة الوطنية، ليشمل السيادة الصناعية والغذائية والطاقية والدوائية والرقمية والدفاعية. فالتجارب الدولية الأخيرة أثبتت أن قوة الدول لم تعد تقاس فقط بحجم اقتصادها، بل بقدرتها على تأمين احتياجاتها الاستراتيجية وتقليص تبعيتها للخارج.
وفي المقابل، وجه جلالة الملك رسالة واضحة إلى القطاع المالي، داعياً إلى تعبئة الادخار الوطني، وتطوير آليات التمويل لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، والابتكار، والتصدير. فالمعركة الاقتصادية المقبلة لن تكون معركة استقطاب الاستثمار فقط، بل معركة توفير التمويل الكافي لمواكبة التحول الصناعي والتكنولوجي الذي تعرفه المملكة.
وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم في الخطاب تتمثل في التأكيد على أن المشاريع الاقتصادية الكبرى أصبحت مشاريع دولة تتجاوز عمر الحكومات والدورات الانتخابية. فالتحدي لم يعد يتمثل في صياغة استراتيجيات جديدة، بل في تحسين الحكامة، وتسريع التنفيذ، وضمان استمرارية الإصلاحات حتى تتحول الإنجازات الاقتصادية إلى فرص شغل، ورفع للإنتاجية، وتحسن ملموس في مستوى عيش المواطنين.
إن المغرب، كما يعكسه هذا الخطاب، يدخل مرحلة جديدة لا يكون فيها النجاح مرهوناً بوضع الرؤى، بل بقدرة المؤسسات على تنفيذها بكفاءة، وتحويلها إلى قوة اقتصادية مستدامة تعزز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً.






