تابعت باهتمام كبير النقاش الذي أثارته بعض منشوراتي الأخيرة حول خطاب جلالة الملك بمناسبة عيد العرش، وخاصة قراءتي لما وقع بمدينة سبتة المغربية المحتلة. وأحترم جميع الآراء، لأن الاختلاف في الرأي يثري النقاش، لكنني أؤمن أيضا بأن قراءة الأحداث الكبرى لا ينبغي أن تبقى رهينة الانفعال اللحظي، بل يجب أن ترتقي إلى مستوى التحليل الاستراتيجي.
أقولها بكل وضوح:
1- من لم يشعر بالإهانة وهو يشاهد مشاهد اندفاع مئات الشباب، بل والأسر والأطفال، نحو سبتة المغربية المحتلة، فهو لم يدرك حجم الجرح الذي أصاب الكرامة الوطنية. فالمسألة لم تكن مجرد محاولة للهجرة، وإنما صورة مؤلمة مست مكانة المغرب وهيبته قبل أي شيء آخر.
2- من لم يطرح، في المقابل، سؤال السياسات العمومية ومسؤولية الفاعلين العموميين والحكومة في إنتاج شروط اليأس والإحباط، فإنه يعطل أهم وظيفة في المواطنة، وهي مساءلة السياسات عندما تتراجع نتائجها أو تعجز عن الاستجابة لانتظارات المجتمع.
3- من لم ينزعج من التصريحات التي أعقبت الأحداث، والتي حاولت تكريس سبتة ومليلية المحتلتين باعتبارهما فضاءين إسبانيين تعرضا لـ”اعتداء”، فإنه يغفل أن معركة السيادة تبدأ أحيانا بالكلمات قبل أن تنتقل إلى الوقائع، وأن الصراع على الرواية لا يقل أهمية عن الصراع على الأرض.
3- من لم يدرك في هذه الظروف القيمة الاستراتيجية لرسالة الرئيس الأمريكي إلى جلالة الملك محمد السادس في هذا التوقيت بالذات، وما حملته من تأكيد جديد على الشراكة الاستراتيجية ودعم الوحدة الترابية للمملكة، فإنه يقرأ السياسة بمنطق الخبر اليومي، لا بمنطق التحولات الكبرى في موازين القوى.
لكن…
رغم كل ذلك، أدعو إلى التمييز بين الانفعال الوطني المشروع والتحليل الاستراتيجي الرصين.
فالغيرة على الوطن واجب، لكن إدارة الأزمات ليست عملا عاطفيا، وإنما هي اختصاص مؤسسات الدولة، وخاصة المؤسسات الأمنية والسيادية، التي تمتلك من المعطيات والقدرات ما لا يتوافر للرأي العام ولا للمحللين.
لقد علمتنا التجربة أن كثيرا من الأحداث التي بدت في ظاهرها معزولة، كشفت الأيام أنها كانت ترتبط بسياقات إقليمية ودولية أكثر تعقيدا. وهذا لا يعني الجزم بوجود مؤامرة وراء كل واقعة، لكنه يفرض علينا عدم اختزال الأحداث المركبة في تفسير واحد، لأن البيئة الجيوسياسية التي يتحرك فيها المغرب اليوم أصبحت أكثر تشابكا، في ظل التنافس المتوسطي، والتحولات الأطلسية، والرهانات الإفريقية، والتطورات المتسارعة في ملف وحدتنا الترابية.
لهذا، فإن الثقة في الدولة لا تعني تعطيل النقد، كما أن ممارسة النقد لا تعني إضعاف الدولة. فالدول الراسخة تبنى على معادلة دقيقة تجمع بين المساءلة الديمقراطية والالتفاف حول المصالح الاستراتيجية العليا.
وأعتقد أن ما وقع في عيد العرش لم يكن حدثا عاديا في توقيته ولا في دلالاته ولا في تداعياته. وستكشف الأيام، كما كشفت في محطات سابقة، أن ما بدا للبعض مجرد أزمة حدودية، كان يحمل في عمقه رهانات تتجاوز الجغرافيا إلى إعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ في محيط إقليمي ودولي شديد الاضطراب.
وفي مثل هذه اللحظات، لا نحتاج إلى مزيد من الضجيج، لكن نحتاج إلى كثير من الوعي، وإلى قراءة هادئة تميز بين ما يظهر على السطح وما يتحرك في عمق الجغرافيا السياسية






