سياسة واقتصاد

المواطنة والمشاركة السياسية

عبد الجليل أبوالمجد (كاتب)
الدولة لا تعيش فقط بقوة مؤسساتها، بل أيضا بالثقة التي تولدها لدى مواطنيها. " بول ريكور

 كلما اقترب المغرب من استحقاق انتخابي، عاد الحديث عن المشاركة السياسية والأحزاب والدولة والانتقال الديمقراطي. فماهي المواطنة؟ وماذا تعني المشاركة السياسية؟ وما علاقتهما بالانتخابات؟ وهل الانتخاب حق دستوري أم واجب وطني؟ وهل العزوف عن الانتخاب يمثل حلا؟ وما أهمية الانتخابات البرلمانية القادمة في ضوء التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة؟

1 ماالمواطنة وما معنى المشاركة السياسية؟

ربما يكون السؤال حول المواطنة من أكثر الأسئلة التي طرحت على مدى عقود. فلقد اجتهد الكثيرون من أجل صياغة تعريفات وتفسيرات حول معنى المواطنة ودلالتها.

لذلك، من الصعب تحديد تعريف جامع مانع للمواطنة باعتبارها مصطلحا سياسيا حيا ومتحركا في سيرورة تاريخية مستمرة، إلا أنه يمكن تعريفها ببساطة على أنها رابطة قانونية بين الفرد والدولة تتضمن زمرة من الحقوق والواجبات، بالإضافة إلى مبادئ وقيم مشتركة وإحساس بالانتماء.

وفي هذا السياق تقول عالمة الاجتماع الفرنسية دومنيك شنابير في كتابها (ماالموطنة) أن:" المواطنة يوتوبيا خلاقة، تحاول جاهدة تجاوز الإثنية والعرقية، وهي بهذا ترمي، عن طريق القانون، إلى حل الخلافات القائمة بين المجموعات الاجتماعية التي تتعارض مصالحها ".

والمواطنة باعتبارها رابطة قانونية فهي تقوم أساسا على المساواة أمام القانون وعلى الحريات العامة والخاصة، ولا سيما حرية التعبير وحرية الاعتقاد وحق التنظيم الحزبي، وحق المشاركة السياسية، وعلى مبادئ العدالة بمعناها الاجتماعي والاقتصادي بما فيها حق العمل وحق التعليم والحق في السكن والحق في العلاج.

تأسيسا على ما سبق، فالمشاركة السياسية هي روح المواطنة لأنها تعطي للمواطنين الحق في المشاركة في صياغة شكل البرلمان والحكومة والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يفضلون العيش في ظلها.

وهناك شبه إجماع في الكتابات السياسية والقانونية على أن عنصر الانتخاب يعد أهم مظاهر المشاركة السياسية في النظم السياسية الحديثة، بل الانتخابات هي عرس الديمقراطية.

ولا يمكن الحديث عن المواطنة إلا إذا بمدى ارتفاع نسبة المشاركة في بلد من البلدان، وأيضا بمدى انتشار ثقافة حقوق الإنسان في البلد، نظريا وممارسة، وبمدى السماح للمواطنين بالتعبير عن آرائهم ومواقفهم بكل حرية بلا خوف، أو ضغط.

من هنا يتضح أن المشاركة السياسية هي أساس المواطنة، ومن خلالها نحكم على بلد ما بأنه بلد ديمقراطي أو غير ديمقراطي.

وعلى الرغم من كل محاسن المشاركة السياسية، إلا أنه تعرف اختلالات ترتبط بالثقافة السائدة في المجتمعات، لاسيما العربية، حيث أن كثيرا من المواطنين لا يتابعون البرامج المطروحة ويقفون من العملية الانتخابية موقف المتفرج كأنها لا تعنيهم، لشعورهم بالاستياء والاحباط لفقدان حقوقهم القانونية المكفولة لهم بموجب الدستور، من رعاية صحية، وخدمات تعليمية، وتأمين اجتماعي.

2 هل التصويت حق دستوري اختياري أم واجب وطني؟    

بخصوص هذا السؤل تباينت الآراء القانونية والفقهية، ففي الوقت الذي اتفقت جميع المواثيق على أن الانتخاب حق من أهم حقوق الإنسان، جاء الاختلاف بخصوص هذا الحق هل هو حق اختياري أم حق إجباري؟

يقصد بالانتخاب الاختياري هو الانتخاب الذي يكون فيه الناخب حرا في التصويت أو الامتناع عنه. وأنصار اختيارية الانتخاب يرون بأن التصويت حق للناخب، اذ المواطن حر في ممارسة حقه أو تركه.

ويقصد بالتصويت الإجباري إرغام الناخب وإجباره على التوجه إلى صناديق الاقتراع للتصويت والتعبير عن رأيه، وذلك عند كل مناسبة يجري فيها انتخاب أو استفتاء، ومن يتخلف عن التصويت يجوز عقابه. ومن الدول التي تبنت إجبارية التصويت مع فرض عقوبات مالية على الامتناع عن المشاركة في الانتخابات استراليا وبلجيكا ولوكسمبورغ والبرازيل وسنغافورة.

في المغرب، ورغم عدم وجود نص دستوري مماثل على إجبارية التصويت في الانتخابات التشريعية، إلا أن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن الانتخاب ينطوي على عنصر الواجب، وهو الواجب الوطني الاجتماعي الذي ينطلق من نظرية العقد الاجتماعي بين الشعب والدولة. فالدولة تقوم برعاية مصالح الأفراد وحمايتهم، في المقابل يقوم الأفراد باختيار ممثلين عنهم لمزاولة الشؤون العامة باسمهم ونيابة عنهم.

وهذا ما أكدت عليه وثيقة دستور لعام 2011، حيث نص الفصل 30 منه على أن: " لكل مواطنة ومواطن، الحق في التصويت، … والتصويت حق شخصي وواجب وطني ". أي أن التصويت في الانتخابات ليس مجرد حق شخصي يملك الفرد حرية ممارسته أو تركه، بل هو واجب وطني تجاه الوطن.

وعليه يستشف، أن حق التصويت في الانتخاب ذا طبيعة مزدوجة، فهو حق شخصي وواجب وطني في الوقت نفسه. ومن ثم فإن عزوف المواطنين عن المشاركة لا يعد فقط إخلالا بالواجب الوطني، بل يضعف الثقة في المؤسسات السياسية ويعطل الانتقال الديمقراطي.

كما أن الدور الأساسي للشعب في تشكيل وإدارة السلطة السياسية قد نص عليه الدستور المغربي صراحة في الفصل 2 " السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها. تختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم ".

فمفهوم الأمة التي تمارس السلطة ينصرف إلى مجموع الأفراد والجماعات التي يتشكل منها المجتمع المغربي، والذين يشكلون وحدة واحدة لها كيانها المستقل الذي لا يقبل التجزئة أو التنازل عنه أو التصرف به. ولما كانت الأمة لا تستطيع مباشرة السلطة بنفسها لتعذر تطبيق أحكام الديمقراطية المباشرة عمليا، فقد كان لا بد لها وأن تنيب عنها من يباشر السلطة باسمها ونيابة عنها وذلك من خلال فرض واجب اجتماعي على الأفراد في انتخاب ممثلين عنهم لإدارة شؤون السلطة باسم الأمة ونيابة عنهم.

3 وهل العزوف عن الانتخاب يمثل حلا؟

في السنوات الأخيرة ترسخت لدى فئات واسعة من المواطنين والمواطنات صورة سلبية عن المشاركة الانتخابية، لأسباب مختلفة، أساسها فقدان الثقة في الأحزاب والحكومات، لاسيما بعد تجربة حزب العدالة والتنمية الذي كان نموذجا سيئا للأحزاب التي استغلت الدين من أجل الوصول إلى السلطة.

والسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن العزوف الانتخابي كحل هو: ماذا حقق المغاربة من مكاسب وفوائد من العزوف الانتخابي، هل توقفت الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لأن بعض الناس غضبوا من الأحزاب ومن المرشحين ومن العملية الانتخابية، واختاروا العزوف الانتخابي؟ هل عادت عدم المشاركة والعزوف الانتخابي بفائدة على المواطنات والمواطنين، وعلى حياتهم الاجتماعية والسياسية؟ وهل عدم المشاركة عالجت مشكل تراجع القدرة الشرائية، واتساع دائرة البطالة والهشاشة الاجتماعية.

أبدا … لا شيء من كل ذلك تحقق، والعزوف في الانتخابات السابقة لم يحقق مكاسب للمواطنين والمواطنات.

كما أن العزوف لم يغير شيئا في الواقع السياسي، فالانتخابات التشريعية تجرى ويعلن عن نتائجها، وتشكل الحكومة حتى لو كانت نسبة المشاركة فيها جد ضعيفة.

لذلك، فالعزوف عن التصويت ليس حلا، وهو فوق ذلك موقف سلبي يتنافى مع أدنى متطلبات الديمقراطية، وإذا كنا نرفض تزوير الانتخابات وشراء الأصوات بالمال فليس أقل من أن نرفض بالدرجة ذاتها العزوف مادامت الانتخابات تجري وفق ضوابط دستورية وقانونية.

 وبعبارة أخرى فالمواطن المشارك والمكافح، والذي يدلي بصوته ويحضر الاجتماعات واللقاءات ويدلي برأيه في قضايا الأمة، يساهم دون شك في بناء وطن أكثر عدلا مهما طال الزمن.

 4 ما أهمية الانتخابات المقبلة؟

في شهر شتنبر القادم سيقول المغاربة كلمتهم، ويختارون ممثليهم في مجلس النواب الثاني عشر والمكون من 395 عضوا، بعدها سينعقد المجلس لتبدأ فصول جديدة في مسيرة الحياة النيابية بالمغرب، وعليه فمن صالح على كل مغربي المشاركة بالصوت الانتخابي وأن يضع المرشح المناسب في مكانه المناسب.

وعليه، فالمسؤولية السياسية لا تقع على الأحزاب وحدها، بل تمتد أيضا إلى المواطن نفسه، باعتباره عنصرا أساسيا في إنجاح أي تجربة ديمقراطية. فصوت الناخب ليس مجرد إجراء عابر داخل مكاتب التصويت، بل هو قرار يحدد مستقبل التنمية والسياسات العمومية لسنوات قادمة. ومن هنا تبرز أهمية الوعي السياسي والمسؤولية الفردية للمواطنات والموطنين في اختيار من يستحق تمثيل المواطنين والدفاع عن قضاياهم الحقيقية.

وفي هذا السياق، تطرح بعض الممارسات الانتخابية تساؤلات عميقة حول مدى وعي بعض الناخبين بخطورة منح أصواتهم مقابل وعود فارغة أو مصالح ظرفية ضيقة. فالمواطن الذي يبيع صوته أو يمنحه بناء على اعتبارات مؤقتة، يساهم بشكل غير مباشر في استمرار نفس الأوضاع الصعبة التي يشتكي منها، ويعيد إنتاج نفس النخب المفترسة التي فشلت في تحقيق تطلعاته.

 الرهان اليوم يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة ليلامس تحديات كبرى تواجهها الدولة المغربية. ومن أبرز هذه التحديات ترسيخ دعائم الدولة الاجتماعية إلى جانب ضمان الأمن الغذائي والمائي والطاقي، والتنزيل المرتقب لمشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، الذي يتطلب نخبا جهوية ومؤسسات منتخبة تحظى بمشروعية قوية، بالإضافة إلى التحدي الدولي المتمثل في تنظيم كأس العالم 2030، حيث سيكون المغرب تحت مجهر المجتمع الدولي فيما يخص الممارسة الديمقراطية وحقوق الإنسان. 

فمغرب اليوم في أمس الحاجة إلى برلمانيين يمتلكون ثقافة حقوق الانسان، ويؤمنون بالديمقراطية التشاركية، برلمانيون يمارسون صلاحياتهم بمسؤولية وضمير، باختصار برلمانيون يمثلون الشعب ولا يمثلون عليه.

ويبقى السؤال مطروحا بقوة داخل الشارع المغربي: هل ستكون انتخابات 2026 بداية لتغيير حقيقي يعيد للمواطن ثقته في السياسة، أم مجرد محطة جديدة تتكرر فيها نفس سلوكيات الناخيين في انتظار موسم انتخابي آخر؟