هناك سؤال بسيط ما فتئت الرغبة تساورني في طرحه منذ ان بدأت التعاليق تتناسل حول هوجة سبتة: وهو سؤال موجه الى أولئك الذين يركبون الموجة كعادتهم، متدثرين بدثار المعارضين واليساريين، ويزكون هذا الفعل الجمعي عبر تبريره، والتضامن البعدي، مع نتائجه وتداعياته، والتعليق على كل صغيرة وكبيرة تصدر عن السلطات المغربية، من منطلق الاتهام والتشكيك، ورفض القيام بأي نقد ولو جزئي لتصرفات غير عقلانية بكل المقاييس، لا مبرر لها من الناحية الفعلية، ولا يمكن أن تكون امتدادا طبيعيا لأي إحساس فردي بعدم الطمأنينة، او فقدان الأمل، كما يدعي هؤلاء، بدليل حدوثها بالذات بذلك الشكل الجماعي، وفي توقيت واحد. وبكثافة غير اعتيادية.
لا يمكن لأي رد فعل راشد وذي مضمون سياسي على النحو الذي يتم ترويجه، أن يكون بهذه الصورة الباهتة: صورة "انتحار جماعي" ساذج، عديم الأفق، ليس له غد واضح المعالم.
إذا صحت بعض الصور التي تم تداولها على أنها من خضم الهوجة، فمن الواجب أن نحاول فهم نصيب العقلانية منها: ما هو الخطر المحدق المؤكد الذي يدفع أبا إلى حمل ابنه أو ابنته الرضيعة ومواجهة الامواج؟ ما حجم الخطر الذي يدفع " إبنا بارا" إلى حمل أمه على ظهره ومحاولة قطع البحر؟ هل شب حريق في البلد، أو نشبت حرب فتاكة، أو حدث زلزال او فيضان او اي كارثة فعلية، أضحى معها البقاء هنا مستحيلا؟ هل كنا سنرى هذه المشاهد لو حصلت تلك الكوارث بالفعل، لا قدر الله؟ لا أظن ذلك.
إذن، من واجبنا ان نتساءل: هل يتعلق الأمر بهروب ام بإقبال؟ الهروب يغذيه الخوف، ومن محركاته غريزة البقاء، ومن سماته الأنانية، لدرجة التخلص من الآخرين ولو كانوا اقرب المقربين. اما الإقبال فيغذيه الطمع، ومن محركاته الحلم بمستقبل افضل، ومن خصائصه الحفاظ على ما يشكل معالم ومرتكزات الحياة السعيدة، كما يتصورها الحالم الطامع، ومن بينها الأسرة.
لا حرب في البلد ولا كوارث ولله الحمد. وهذا أبلغ تفنيد لفكرة الهروب التي يلصقها الخطاب العدمي والخطاب الركمجي بهذا السلوك الجماعي. يبقى الطموح والحلم بمستقبل افضل ممزوجا ومدعوما بسلوك الحشد الذي يزيل كل الحواجز والاعتراضات العقلانية، ويغذي حالة الذهول الجماعي.
هل ينفع ان نستثمر سياسيا في سلوك غير سياسي؟ وهل من المعقول ان نحمل هذا السلوك مضمونا سياسيا، ونرفض في الآن نفسه ان نخضعه للنقد بدافع نزعة تقديس الجماهير. وهي اخطر ما ظل يتسبب في انتكاسات الاتجاهات اليسارية، ويغذي، عكس ذلك، طواحين اليمين المتطرف.
بقي السؤال الذي قلت في البداية انه يساورني طرحه على اولئك المعلقين من ركاب امواج التواصل الاجتماعي: اذا كان ما تتبنونه من تفسيرات لهذا السلوك غير الاعتيادي، صحيحا، فلماذا لم تلتحقوا بجموع "الهاربين" من جحيم المغرب المحقق؟ الا تعيشون نفس الواقع وتتأثرون بنفس اليأس وعدم الثقة في البلد؟ لماذا تكتفون بالتعليق من وراء شاشاتكم ولا تلتحقون بهذا الفعل السياسي العظيم؟
يبدو ان الأمر يحتاج حقا الى تفسير، غير التفسير الذي تروجونه. والله أعلم.






