تحليل

قراءة دستورية في قرار المحكمة الدستورية بشأن مهنة المحاماة.. المحكمة تمارس الرقابة السياسية القبلية على القوانين

سليمة فرجي ومصطفى بن شريف (محاميان بهيئة وجدة)
تقديم:

يمكن التأكيد بداية بأن المحكمة الدستورية لا تكتفي بتطبيق الدستور والقوانين التنظيمية بمناسبة فحصها لدستورية القوانين، وإنما تراكم، من خلال قراراتها، تأسيس اجتهاد قضائي دستوري خاص، يمكن أن يشكل مسارًا اجتهاديًا متحركًا لمدرسة دستورية مغربية يؤخذ به في النوازل الدستورية.

والقرار المتعلق بقانون المحاماة مثال قوي على ذلك، فإنه وإن لم يتناول مضمون القانون بعد، إلا أنه حدد شروط ممارسة المحكمة نفسها لاختصاصها، من الناحيتين الإجرائية والموضوعية.

وما الذي يميز هذه المدرسة الدستورية؟

أولًا، هناك انتقال من الرقابة على النص إلى الرقابة على المسار الدستوري المسطري لإنتاج النص.

والمحكمة الدستورية لا تعاين فقط: هل القانون مطابق أم مخالف للدستور؟

بل تسائل: هل وصل أو أحيل إليها القانون بالطريقة الصحيحة إجرائيًا، بما يمكنها دستوريًا من ممارسة رقابتها عليه؟ لأن مراقبة دستورية القوانين تشمل مراقبة القانون في إجراءاته وجوهره.

وهذا واضح في القرار الصادر بشأن قانون المحاماة، حيث اعتبرت المحكمة أن عدم إرفاق النص النهائي محل الرقابة الدستورية، بناءً على إحالة صادرة عن رئيس مجلس النواب، يحول دون ممارسة اختصاصها ضمنيًا، ولو لم تصرح بذلك صراحة.

وهذا ليس تفصيلًا تقنيًا؛ إنه تكريس لفكرة أن الدستور يحكم عملية إنتاج القانون، وليس فقط مضمونه، وأن المحكمة الدستورية تنظر بصفة أولية في الجانب الإجرائي قبل النظر في العيوب الجوهرية للقانون، وهو الأمر الذي لم يتحقق مع القانون المنظم لمهنة المحاماة، لتعذر ذلك بسبب عدم إحالة نص القانون كما صادق عليه مجلسا البرلمان.

ولما كان الدستور واجب التطبيق في نصه وروحه، فإن المحكمة الدستورية ملزمة بمراعاة ذلك لدى نظرها في القضايا التي تعرض عليها، وهو المبدأ الذي طبقته في حالة قانون المحاماة (راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 819/11 و.ب، بتاريخ: 16 نونبر 2011).

ومن جهة أخرى، فإن تحقيق الأهداف الواردة في الدستور يجب أن يتم دون الإخلال بالمبادئ الدستورية (راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 943 بتاريخ: 25 يوليوز 2014)، وضمن نسق متكامل لمبادئ الدستور وأهدافه (راجع قرار المجلس الدستوري عدد: 817/2011، بتاريخ: 13 أكتوبر 2011).

وبناءً عليه، ولما كانت المحكمة الدستورية قد تعذر عليها البت في دستورية قانون مهنة المحاماة وفقًا للشكل المحال عليها، الأمر الذي يستدعي طرح تساؤلات مبدئية:

-هل يتعين لزوماً على رئيس مجلس النواب تصحيح مسطرة الإحالة وإعادتها إلى المحكمة الدستورية للبت في دستورية قانون مهنة المحاماة؟

- في حالة رفض رئيس مجلس النواب لذلك، ألا يعتبر تنازلًا ضمنيًا عن الإحالة وعن استكمال شروط الإحالة؟ وهل يحق له ذلك؟

- هل يحق لباقي أصحاب الصفة إحالة القانون على المحكمة الدستورية تطبيقًا للفقرة 3 من الفصل 132 من الدستور؟ وهل يوجد أجل يفيد ذلك الحق؟

هذه الأسئلة وغيرها، سنتولى الإجابة عليها بشكل مركز، استنادًا إلى المبادئ والقواعد الدستورية وإلى اجتهادات القضاء الدستوري كلما دعت الضرورة لذلك.

أولًا: من حيث الوقائع:

بادر رئيس مجلس النواب إلى إحالة القانون رقم: 23.66، المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، على المحكمة الدستورية، والمسجلة بأمانتها العامة بتاريخ: 08 يوليوز 2026، وذلك تطبيقًا لأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، في إطار ممارسته لحق الإحالة الاختيارية، لكون النص التشريعي المحال يندرج ضمن مجال القانون العادي، من أجل البت في مطابقته للدستور.

وبناءً على الإحالة الاختيارية المذكورة، باشرت المحكمة الدستورية اختصاصها المسند إليها بموجب الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، للنظر في دستورية مواد القانون من عدمها.

ونظرًا لكون المحكمة الدستورية تمارس رقابة مركزية شاملة على القانون الذي يحال عليها، من حيث الشكل ومن حيث الموضوع، فإنها تتولى، بصفة أولية، فحص الإجراءات التي تم اتباعها من طرف الحكومة والبرلمان لإقرار القانون، بعد الاطلاع على الوثائق المدرجة بالملف، لمعاينة ما إذا كانت سليمة ومطابقة للمسطرة التشريعية أم لا.

وبناءً على الإحالة الاختيارية المتوصل بها من طرف المحكمة الدستورية، طلبت هذه الأخيرة من رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان الإدلاء بملاحظاتهم الكتابية، وتبعًا لذلك، تم إيداع ملاحظات كتابية صادرة عن رئيس الحكومة ورئيس مجلس المستشارين وعضوات وأعضاء في مجلسي البرلمان، المتوصل بها من طرف المحكمة الدستورية بتاريخ: 20 و22 يوليوز 2026.

وتأسيسًا على ما ذكر، تولت المحكمة الدستورية فحص وثائق الملف، وثبت لها بأن رسالة الإحالة أرفقت بنسخة من تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، في إطار القراءة الثانية لمشروع القانون، يتضمن مجموعة من الوثائق، من بينها مشروع القانون رقم: 23.66، كما وافق عليه مجلس النواب في إطار قراءة ثانية بتاريخ: 06 يوليوز 2026، ولم ترفق بنص القانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في إطار قراءة ثانية بتاريخ: 07 يوليوز 2026.

وأنه بعد دراسة الملف، والاطلاع على الوثائق، وملاحظات رئيس الحكومة ورئيس مجلس المستشارين وعضوات وأعضاء في مجلسي البرلمان، اعتبرت القضية جاهزة للبت فيها، وتم الاستماع إلى تقرير العضو المقرر، والمداولة طبقًا للقانون، وأصدرت قرارها القاضي بالتصريح "بتعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم: 23.66 المتعلق بمهنة المحاماة للدستور، على حالها".

ثانيًا: في مضامين ومرتكزات تعليل قرار المحكمة الدستورية:

جاء في قرار المحكمة الدستورية بأن الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور تنص بأن الجهات التي يحق لها إحالة القوانين عليها قبل إصدار الأمر بتنفيذها، لتبت في مطابقتها للدستور، هي: الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوًا من أعضاء مجلس المستشارين.

ومن جهة ثانية، أوضحت المحكمة الدستورية في قرارها بأن المادة 23 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية تنص، بصفة خاصة، على أن تكون إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية قصد البت في مطابقتها للدستور، طبقًا لأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 منه، برسالة صادرة عن أصحاب الصفة ممن يملكون حق الإحالة.

وبناءً على ما ذكر، أكدت المحكمة الدستورية أنه لما كانت أحكام الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، وإعمالًا لمبدأ الترابط والتكامل بين أحكام الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، وعلاقة بموضوع الإحالة، أعلنت المحكمة بأنها لا تمارس رقابتها في إطار الآلية المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، إلا على القوانين بعد تمام الموافقة عليها والمحالة إليها برسالة أو برسائل، وليس تقارير اللجان البرلمانية الدائمة ومشاريع القوانين، ونظرًا لكون الجهة المحيلة (رئيس مجلس النواب) اكتفى بإرفاق رسالة الإحالة بتقرير عن الأعمال التحضيرية للجنة برلمانية، مرفق بمشروع القانون المذكور، قبل تمام الموافقة عليه، وهو الأمر الذي لا يمكن المحكمة من بسط رقابتها على القانون المطلوب البت في مطابقته للدستور.

وهكذا، أبرز القرار بأن المحكمة الدستورية لا تمارس رقابتها على دستورية القوانين، في إطار الرقابة السابقة الاختيارية، إلا في الحدود التي رسمها الدستور، ووفق الكيفيات والإجراءات الشكلية والجوهرية التي يحددها القانون التنظيمي لها، وعلى أساس الوثائق المحالة إليها من طرف جهة الإحالة.

وأنه اعتبارًا لعدم إرفاق الجهة المحيلة لرسالة الإحالة بنسخة مطابقة لأصل نص القانون المراد مراقبة دستوريته، يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، ويشكل مانعًا قانونيًا يحول دون بت المحكمة الدستورية في القضية المعروضة عليها، ورتبت على ذلك جزاءً يتمثل في التصريح بتعذر البت في الإحالة.

وتبعًا لكل ما ورد في تعليل قرار المحكمة الدستورية، الذي تم تأسيسه على الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، وخلصت إلى التصريح بتعذر البت في دستورية القانون رقم: 23.66 المتعلق بمهنة المحاماة، لسبب بسيط، وهو عدم إرفاق رسالة الإحالة بنسخة مطابقة للأصل من نص القانون المطلوب مراقبة دستوريته.

لكن، ومهما يكن من أمر ما ورد في تعليل القرار من أسباب تبرر صدوره، إلا أن عدم إرفاق رسالة الإحالة بالوثائق الكاملة، لتمكين المحكمة الدستورية من بسط رقابتها على نص القانون، لا يحول دون المطالبة بها من طرف المحكمة الدستورية، إعمالًا لمبدأ التعاون بين المؤسسات الدستورية، لأن المطالبة بنسخة طبق الأصل من القانون موضوع الإحالة ليس من شأنها المساس باستقلالية المحكمة الدستورية، علمًا أنه توجد سوابق في هذا الباب، كما حصل مثلًا مع قانون المسطرة المدنية (1)، (راجع قرار المحكمة الدستورية رقم: 255/25 م.د، بتاريخ: 4 غشت 2025).

وبناءً عليه، يتبين بأن المحكمة الدستورية لم تتبع المنهجية التي سلكتها مع الإحالة المتعلقة بقانون المسطرة المدنية، بل إنها بادرت إلى استحضار النسخة النهائية للقانون بعد أن كانت قد توصلت بمشروع قانون، وبناءً على ذلك مارست رقابتها الدستورية عليه.

وإذا كان التساؤل مشروعًا، فإنه في حالة قانون المحاماة، ربما أن الظرفية والشروط المحيطة بالقانون المذكور هي من دفعت المحكمة الدستورية إلى تبني نظرية "تعذر البت"، للأسباب المذكورة أعلاه، والتي يمكن تفسيرها بأنها جاءت مبنية على الروح السياسية للدستور عوض أن تكون مؤسسة على قواعد المشروعية الدستورية، ما دامت المحكمة الدستورية تمارس الرقابة السياسية القبلية على القوانين، وهي إما إجبارية أو اختيارية.

ثالثًا: قراءة في آثار قرار المحكمة الدستورية والحلول الدستورية لأزمة مسطرية:

إن قرار المحكمة الدستورية، بشأن قانون المحاماة، صرح بأنه يتعذر البت فيه في إطار إعمال الرقابة الدستورية الاختيارية، بسبب عدم إرفاق الإحالة بنسخة مطابقة للأصل من نص القانون، كما صادق عليه مجلسا البرلمان بصفة نهائية.

بمعنى أن المحكمة الدستورية تعذر عليها البت في دستورية القانون المحال عليها، في ظل عدم توفرها على النص النهائي للقانون، موضوع الإحالة الاختيارية من أجل مطابقته للدستور.

وبناءً عليه، تكون المحكمة الدستورية قد أصدرت قرارًا لا يمس بالرقابة الدستورية الموضوعية، لأنها لم تنظر في مواد القانون المحال عليها، أو أنها صرحت بمطابقتها للدستور، أو أنها مخالفة لأحكامه، الأمر الذي يفيد بأن الرقابة الدستورية لم تستغرق بعد شرطها الموضوعي.

1- من حيث بت المحكمة الدستورية ضمنيًا في قبول الإحالة الاختيارية:

مبدئيًا، تتبع المحكمة الدستورية منهجية واضحة بمناسبة إصدار قراراتها، تتمثل في التأكد من انعقاد اختصاصها، ومن قيام الشروط والإجراءات التي تحكم كل قانون (قانون تنظيمي أو قانون عادي)، وبعد ذلك تنتقل إلى الموضوع (الرقابة على دستورية القوانين).

ومن خلال الرجوع إلى قرار المحكمة الدستورية، يتبين منه أنه لما صرح بتعذر البت في الإحالة الاختيارية، فإن ذلك يعني بته ضمنيًا في قبولها من ناحية الشكل والإجراءات، لأن مفهوم تعذر البت في مطابقة القانون للدستور، في غياب نص القانون، لعدم إرفاقه برسالة الإحالة، هو إقرار صريح بقبولها، وبالتالي لا يمكن إعمال أو تفسير تعذر البت بأنه بمثابة عدم قبول الإحالة، هذا تأويل غير سليم أو صحيح، بل إن قرار المحكمة الدستورية بت في قبول الإحالة الاختيارية شكلًا، لكن تعذر عليها الانتقال إلى موضوع الرقابة الدستورية للسبب المذكور.

ولما كانت المحكمة الدستورية قد قبلت الإحالة الاختيارية من ناحية الشكل والإجراءات ضمنيًا، ولو دون أن تصرح بذلك صراحة، فإن عدم إرفاق نص القانون مطابقًا لأصله لا يدخل في مجال العيوب الشكلية، بل يمكن القول بأنه يمثل إغفالًا ماديًا لوثيقة، كان بالإمكان المطالبة بها، لكن المحكمة الدستورية كان لها رأي آخر، خلافًا لما نهجته في حالة قانون المسطرة المدنية (قانون عادي)، كما سبق التطرق إلى ذلك.

2- من حيث مناقشة أثر قرار المحكمة الدستورية والحلول الدستورية:

يجب التأكيد بأن قرار المحكمة الدستورية رقم: 277/26 الصادر بتاريخ: 10 غشت 2026 في الملف عدد: 317/26، هو قرار لم يبت في دستورية قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم: 66.23، كما قد يفهم البعض أو يفسره البعض الآخر بشكل خاطئ.

فالمحكمة الدستورية لم تصرح بأن القانون مطابق للدستور، كما لم تصرح بأنه مخالف له، لا ضمنًا ولا صراحة، مما تبقى معه الرقابة الدستورية عليه مفتوحة، ما لم يصدر الأمر بتنفيذه من طرف الملك، تطبيقًا لأحكام الفصل 50 من الدستور، ونشره بالجريدة الرسمية، وهو أمر جد مستبعد، لأن المسطرة الدستورية لم تستكمل بعد شروطها الموضوعية.

لكن، قرار المحكمة الدستورية أفصح عن توجهات اجتهادية شديدة الدقة، لا ينفلت منها أي إجراء تقتضيه الرقابة الدستورية على القوانين، والتي تحولت إلى موضوع أكثر إثارة للأسئلة القانونية العميقة، والتي لا تجد الجواب عنها إلا من خلال قانون المسطرة الدستورية المستمدة من أحكام الدستور والقوانين التنظيمية التي تعتبر امتدادًا للدستور، ولا يمكن القياس على قواعد المسطرة المدنية كما يقول البعض.

وهكذا، فتعذّر البت في الإحالة لا يعني تناول قرار المحكمة الدستورية لمضمون القانون، وإنما انصب على جانب ضيق من مسطرة إحالته إلى المحكمة الدستورية، وهو المتعلق بالوثائق التي يتعين أن ترفق برسالة الإحالة.

إن المحكمة الدستورية لم تمنح القانون المحال عليها شهادة مطابقته للدستور، لأن الفصل 132 من الدستور يجعل مراقبة القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها اختصاصًا دستوريًا للمحكمة الدستورية، متى تمت إحالتها إليها وفق الشروط المحددة دستوريًا وقانونيًا، وهو الأمر الذي لم يحصل بصفة شمولية، كما لا يمكن فصل دستورية القانون الموضوعية عن دستورية المسطرة التي أُنتج بها، وهل تمت وفقًا للإجراءات الدستورية أم لا.

ولذلك، فإن قرار المحكمة الدستورية بشأن قانون المحاماة، رغم أنه لم يفصل في دستورية القانون من حيث الموضوع، قد يكون من أهم القرارات التي قد تؤثر مستقبلًا في تطور القضاء الدستوري المغربي، لأن القرار موضوع المناقشة هو من القرارات الفريدة، رغم سبق توظيف المحكمة الدستورية لمفهوم "تعذر البت" في قرارات، لكن في قضايا أحيلت عليها وفي مواضيع مختلفة لا يمكن القياس عليها (2)، (راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 928 بتاريخ: 14 نونبر 2013).

(أ)- من حيث وجوب تصحيح الإحالة الاختيارية من جديد من طرف أصحاب الصفة:

تطبيقًا لأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، يحق للملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوًا من أعضاء مجلس المستشارين، إحالة القوانين على المحكمة الدستورية للبت في دستوريتها.

ولما كان رئيس مجلس النواب قد بادر إلى تفعيل الإحالة الاختيارية، وثبت، وفقًا لقرار المحكمة الدستورية، أنها اتسمت بخلل مادي وليس شكليًا، لعدم إرفاقها بنسخة طبق الأصل من نص القانون، مما يتعين عليه دستوريًا وأخلاقيًا وسياسيًا إصلاح الوضع وفق الوارد في قرار المحكمة الدستورية، وإحالة القانون من جديد عليها للنظر في دستوريته، لأن أجل الإحالة لا زال مفتوحًا، ما دام أن الأمر بتنفيذه لم يصدر، ولا أعتقد بأنه سيصدر في ظل عدم بت المحكمة الدستورية في دستوريته من الناحية الموضوعية.

كما أنه لا شيء يمنع من مباشرة مسطرة الإحالة من طرف باقي أصحاب الصفة المنصوص عليهم في الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، بالنظر إلى أن أجل الإحالة الاختيارية ما زال مفتوحًا، لا ينتهي ولا يسقط إلا بصدور الأمر بتنفيذه، لأن القانون لا يكتسب وجوده القانوني إلا ابتداءً من تاريخ صدور الأمر بتنفيذه (3).

وهكذا، يمكننا القول دون عناء فكري إنه من الوجوبي دستوريًا، وفي إطار دولة القانون، أن يتعين على رئيس مجلس النواب أن يبادر إلى تصحيح الخلل الذي رافق رسالة الإحالة وتمكين المحكمة الدستورية من جميع الوثائق، بما فيها نص القانون كما صادق عليه مجلسا البرلمان.

ومن جهة ثانية، فإن السؤال المركزي: هل يوجد في الدستور ما يلزم رئيس مجلس النواب بتصحيح مسطرة الإحالة؟ الجواب: نعم، لما كان قد بادر إلى إحالة القانون على المحكمة الدستورية، فإن إرادته كمؤسسة كانت تروم تطهير القانون من مثالب عدم الدستورية، وهو الأمر الذي يلزمه باستكمال إجراءات تصحيح الإحالة، ما دام أن الرقابة الدستورية لم تستكمل شرطها الموضوعي، علمًا أن عدم إقدام رئيس مجلس النواب على تفعيل الإجراءات المؤدية إلى تصحيح مسطرة الإحالة يعتبر بمثابة تنازل ضمني عن الإحالة، وهو الأمر الذي لا يجوز لما يلي:

- أن الإحالة الاختيارية للقانون على المحكمة الدستورية هي حق مستمد من الدستور (الفصل 132 منه)؛

- أن إحالة القوانين لمراقبة دستوريتها من النظام العام، لا يمكن التنازل عنها ضمنيًا أو صراحة؛

- أن الإحالة هي بمثابة خصومة عينية لنصوص القانون، يراد منها التأكد من مطابقتها للدستور من عدمها؛

ولما كانت قواعد ومبادئ الدستور من النظام العام، فإنه لا يجوز لرئيس مجلس النواب التنازل، سواء ضمنيًا أو صراحة، عن إحالة قانون، وهو المبدأ الذي أكد عليه المجلس الدستوري في قراره رقم: 937 بتاريخ: 29 مايو 2014 (4).

وفي الأخير، نشدد بأن الرقابة التي مارستها المحكمة الدستورية لم تستكمل بعد شروطها الدستورية، بالنظر إلى تصريحها بتعذر ذلك، وهو ما يفيد بأن القانون المحال عليها يستدعي وجوبًا إقدام رئيس مجلس النواب على تصحيح الإحالة وإرجاعها للمحكمة الدستورية للنظر في دستورية القانون، كما أن هذا الحق ما زال مفتوحًا لباقي أصحاب الصفة في ممارسة الإحالة الاختيارية، ما دام أن الأمر بتنفيذ القانون لم يصدر بعد.

1 - جاء في قرار المحكمة الدستورية رقم: 255/2025 م.د: "وحيث إن رسالة إحالة السيد رئيس مجلس النواب (...)، وإن تضمن موضوعها «إحالة القانون المتعلق بالمسطرة المدنية في صيغته النهائية كما صادق عليها مجلس المستشارين في قراءة ثانية»، فإن هذه الإحالة أرفقت بنسخة من مشروع قانون رقم: 02.23 يتعلق بالمسطرة المدنية، الذي صادق عليه مجلس النواب (...)، وتبعًا لذلك قامت هذه المحكمة باستحضار الصيغة النهائية للقانون كما صادق عليها مجلس المستشارين، وحيث إن الإحالة أقدمت من قبل رئيس مجلس النواب قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون، مما يجعلها متقيدة بأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور."

2 - جاء في قرار المجلس الدستوري رقم: 928 بتاريخ: 14 نونبر 2013، بأنه يتعين وجوبًا إحالة النص الكامل للنظام الداخلي لمجلس المستشارين على المجلس الدستوري.

3 - راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 912 بتاريخ فاتح يناير 2013، الذي ورد فيه: "(... إن القانون يكتسب وجوده القانوني ابتداءً من تاريخ صدور الأمر بتنفيذه ...)."

4 - راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 937، وجاء فيه: "بصرف النظر عن كون طلب التنازل عن إحالة قانون ... إلى المجلس الدستوري جاء موقعًا من قبل رئيس فريق وليس من طرف جميع أعضاء مجلس المستشارين الموقعين على رسالة الإحالة، فإن إحالة القوانين على المحكمة الدستورية، (بغض النظر عن قبولها أو عدم قبولها)، لا ترمي إلى تحقيق مصلحة خاصة بالجهة المحيلة للقانون، بل تروم ضمان احترام مبدأ سمو الدستور الذي يعد، بموجب فصله السادس، من المبادئ الملزمة ... وتبعًا لذلك، فإن مآل القوانين المحالة إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقتها للدستور من قبل الجهات المحددة بالفقرة 3 من الفصل 132 من الدستور، لا يمكن التقيد فيه بالإرادة المنفردة للجهة المحيلة للقانون، الأمر الذي يتعين معه رفض طلب التنازل ..."