1. نشأة المناضل: من طنجة إلى الدار البيضاء.
وُلد علي يعتة في 25 غشت 1920 بمدينة طنجة، ابن السيد سي سعيد وابن السيدة فاطمة بن عمار، الأم الطنجية. منذ نعومة أظفاره، تلقى تعليماً رصيناً تحت رعاية العلامة الجليل سيدي عبد الله كنون، الذي ظل يحترمه بعمق طوال حياته.
في سنة 1933، استقرت عائلة يعتة بالدار البيضاء، في المدينة الجديدة آنذاك ، تحديداً في 5، ساحة المسجد. تابع علي الصغير دراسته في آن واحد بثانوية ليوطي، وحلقات كبار العلماء والوطنيين من الطراز الأول كالسي بوشتى الجامعي وأحمد الشنقيطي، الذين غرسوا فيه ثقافة عربية إسلامية رفيعة، وحباً للوطن، وعزيمة على الكفاح من أجل استقلاله وسيادته.
تحت وصاية بوشتى الجامعي، أصبح علي يعتة، منذ عام 1940، عضواً نشطاً في أولى خلايا حزب الوطن بالدار البيضاء، قبل أن ينخرط في دجنبر 1943 في الحزب الشيوعي المغربي (الذي كان يهيمن عليه آنذاك مناضلون فرنسيون)، مع مواصلته الحفاظ على علاقات وثيقة مع أعضاء الحزب الوطني. وقد أتاحت له هذه الثنائية، سنة 1942، حضور اجتماع تاريخي بدار بوشتى الجامعي بالدار البيضاء، قدّم خلاله أحمد بلافريج تقريراً عن الاتصالات التي أجراها مع بعض المسؤولين الألمان، ومنهم فون ريبنتروب.
في 11 يناير 1944، وقع علي يعتة، باسمه الشخصي، على العريضة المرافقة لوثيقة المطالبة بالاستقلال، رغم كونه شيوعياً متحمساً، على حد تعبيره، بانتصار الجيش الأحمر على الجيوش الهتلرية في ستالينغراد.
2. تغريب الحزب الشيوعي المغربي: كفاح جريء.
في تلك الفترة، لم يكن الحزب الشيوعي المغربي سوى شعبة تابعة للحزب الشيوعي الفرنسي. وللإعتراف به رسمياً ومنحه إيصالاً، اشترطت الإدارة الاستعمارية ألاّ ينخرط فيه أي مغربي أو عربي أو مسلم. لذلك كان الأعضاء الأوائل من الفرنسيين بشكل أساسي، إضافة إلى بعض اليهود المغاربة.
في فبراير 1945، دخل علي يعتة إلى أمانة الحزب. وبعد وفاة مؤسسه ليون سولتان في نفس السنة، تولى قيادة الحزب الشيوعي المغربي. كان همه الأكبر هو "مغربة" الحزب، أي منحه طابعاً مغربياً خالصاً، ونشر أفكاره ومذهبه السياسي والفلسفي بين مئات العمال والفلاحين والمفكرين من جميع المشارب.
يؤكد الأستاذ رينيه غاليسو، المتخصص في حركات العمال بشمال إفريقيا، أن علي يعتة هو الذي قدّم التقرير السياسي في اللجنة المركزية المنعقدة يومي 3 و4 غشت 1946، متحدثاً عن إنهاء نظام الحماية وانتخاب جمعية وطنية سيادية.
لقد كان ذلك ضربةً معلم حقيقية، حيث تحدّى السلطة الفرنسية بضم مغاربة إلى هياكل الحزب. وانضم إلى صفه كبار الشيوعيين المغاربة، وعلى رأسهم أبراهام سرفاتي، وسيمون ليفي، وعبد الله العياشي، مما عزز موقعه. بل إن الحزب الشيوعي المغربي قرر إنشاء منظمة "الهلال الأسود" السرية، بهدف مهاجمة الفرنسيين في عدة مدن وأحياء مغربية.
3. السجون والنفي: ثمن الالتزام.
بصفته خصماً عنيداً للاستعمار، عانى علي يعتة من ويلات السجن والنفي. فقد اعتُقل في كل من الدار البيضاء (غبيلة)، والجزائر العاصمة (بربروس)، ومرسيليا (بوميت)، وباريس (فرين، سانتيه).
في سنة 1952، حظرت السلطات الاستعمارية الحزب الشيوعي المغربي، وأُرسل علي يعتة إلى سجن فرين حيث بلغه خبر ولادة توأميه، المرحممين فهد ونذير. كما اتهمته المحكمة العسكرية بباريس بالمساس بالأمن الداخلي والخارجي للجمهورية الفرنسية، وطالب النائب العام بإعدامه، معتبراً إياه "شيوعياً خطيراً ومثيراً للفتن" يهدف إلى انتزاع استقلال المغرب.
ونُفي من وطنه حتى سنة 1957 بأمر من المقيم العام جوان. كما عرف سجون المغرب خلال "سنوات الرصاص"، كسجن درب مولاي الشريف (1963) وسجن لعلو (1969-1970)، بصفته أميناً عاماً لحزب التحرر والاشتراكية.
4. الجنسية المغربية: اعتراف ملكي.
خلافاً لبعض الادعاءات، لم يكن علي يعتة جزائرياً، بل كان ابناً بارّاً للشعب المغربي. فإذا كان والده من أصول قبائلية، فقد أظهر علي يعتة دوماً تعلّقاً لا يتزعزع بالمغرب منذ صغره. وقد كتب له الروائي الجزائري كاتب ياسين في إهداء روايته "نجمة" (الصادرة سنة 1956): "إلى علي يعتة، الذي لن أغفر له أبداً تفضيله المغرب على الجزائر."
ونظراً لنضاله من أجل استرجاع سيادة المغرب، كان من بين ثلاث شخصيات نالت الجنسية المغربية بقرار من الملك محمد الخامس والحسن الثاني ولي العهد آنذاك. وقد صدر الظهير الملكي في الجريدة الرسمية بتاريخ 6 شتنبر 1958، وشمل مولود معموري، وعبد الكريم الخطيب، وعلي يعتة.
5. كفاح من أجل الصحراء المغربية
لا شك في تعلّق علي يعتة بالوحدة الترابية للمغرب. ففي ندوة صحفية عقدها يوم 8 ماي 1973 بنادي اتحاد كتاب المغرب بالرباط، أعلن رسمياً: "ما زال بلدنا مبتوراً من جزء مهم من أراضيه، شمالاً وجنوباً. وعلى وجه الخصوص، لا تزال إسبانيا الفرانكوية تحتل صحراءنا الغربية، ولا شيء، حتى الآن، يوحي بأنها تعتزم ردّها إلى الوطن الأم..." وحذّر من مؤامرات القوى الإمبريالية وبعض الدول الشقيقة التي، على حد قوله، "تبارك هذه العملية السلبية تحت الطاولة". وقد شارك لاحقاً في المسيرة الخضراء سنة 1975، التي تُوّجت باسترجاع الصحراء للمغرب بموجب اتفاقية مدريد.
6. مسيرة سياسية مضطربة.
بعد أن أقرّ الملك محمد الخامس شرعية الحزب الشيوعي المغربي عقب الاستقلال سنة 1956، تم حظره مجدداً في 1959 من قبل حكومة عبد الله إبراهيم التقدمية. خاض علي يعتة ورفاقه نشاطاً سرياً متميزاً، ثم عاد الحزب باسم "حزب التحرر والاشتراكية" الذي حُظر بدوره سنة 1969 بعد 14 شهراً فقط من الشرعية.
واضطر علي يعتة ورفاقه لانتظار سنة 1974 لنيل شرعية الحزب تحت اسمه الحالي: "حزب التقدم والاشتراكية". وظل أمينه العام حتى وفاته.
منذ السبعينيات، تميّز علي يعتة بواقعيته. فمن خلال جريدته "البيان"، أطلق مفهوم "الثورة الوطنية الديمقراطية"، مبتعداً عن الأفكار الاشتراكية المستوردة من الاتحاد السوفييتي السابق، مندمجاً في مجتمعه الإسلامي، ومُسقطاً جدار برلين الخاص به. لقد تخلى عن الشيوعية الصارمة، معتبراً أن الاشتراكية المغربية يجب أن تُستوحى من واقع البلاد أو لا تكون.
7. ديمقراطي لا يلين.
كان علي يعتة ديمقراطياً عنيداً، اصطفّ في المعارضة، ودافع طويلاً عن شكل جديد للملكية. ومن مواقفه المعروفة، معارضته للملك الحسن الثاني بخصوص تخفيض سنّ العرش لولي العهد (من 18 إلى 16 سنة)، معلناً: "هذا السن لا يسمح لأي شخص بتوفير شروط النضج الكافي لقيادة بلد."
واصطدم بغضب الملك الحسن الثاني، إلى أن شارك في المسيرة الخضراء، مما مثل منعطفاً في علاقاته بالقصر.
يشهد الكاتب والصحافي باهي محمد أحمد: "في سنوات الاضطرابات الكبرى تلك، كنا على قناعة راسخة بأن القائد الثوري المثالي للمغرب هو علي يعتة. كنا نرى فيه رجل المبادئ الذي عرف دائماً كيف يضع نفسه فوق المعترك. كانت الغالبية الساحقة من الشباب المغربي في ذلك الوقت تميل إلى الأفكار الثورية الماركسية اللينينية والاشتراكية الشيوعية، باعتبارها البديل الوحيد الممكن لإخراج البلاد من محنتها والشعب من معاناته."
8. الوحدوي البراغماتي.
وفياً للعمل النقابي الموحّد داخل الاتحاد المغربي للشغل، عارض علي يعتة دائماً إنشاء هياكل نقابية جديدة من شأنها تعميق الانقسامات داخل الطبقة العاملة.
أصدر عدة منشورات نضالية خلال الخمسينيات، منها "الوطن" و"الأمل" (بالفرنسية) و"الجماهير" (بالعربية)، ومجلة "المبادئ" (التي أشرف عليها عبد السلام بورقية). وبعد الاستقلال، أصدر "المكافح" و"الكفاح الوطني".
يعود الفضل لعلي يعتة، بفضل تبصره وصبره، في المساهمة في إنشاء "الكتلة الديمقراطية"، وعودة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى أحسن المشاعر. غير أنه للأسف، لم يعاصر حكومة التناوب التي ساهم فيها بنشاط، مستغلاً صداقته الوثيقة مع الطنجوي عبد الرحمن اليوسفي.
9. إرث لا يزال حياً.
غادرنا علي يعتة في 13 غشت 1997، إثر حادث سير مأساوي. خلّف وراءه حزباً، هو حزب التقدم والاشتراكية، حصل على 18 مقعداً في البرلمان سنة 2011.
يرى المراقبون أن "الشيوعية والأيديولوجية الماركسية اللينينية في المغرب قد تَمَاثَلتا مع الرفيق علي يعتة". لقد كان مناضلاً من الطراز الأول، رفض المناصب الفخرية، وانحاز تلقائياً إلى جانب الطبقة العاملة، في فترة عُرفت بكثير من الاغتيالات والاختطافات والانشقاقات المتتالية داخل التشكيلات السياسية الكبرى.
وكما كتب عبد السلام الصديقي: "إنه بات من واجب حزبنا اليوم، عبر مؤسسة علي يعتة على وجه الخصوص، جمع كل كتابات سي علي، وتعريف المناضلين الشباب وكافة المواطنين بها، وجعلها مصدر إلهام للفعل المؤثر في الواقع، وللتأثير بقوة على مسار التاريخ، نحو بناء مجتمع العدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقيقية واحترام الكرامة الإنسانية. من أجل هذه القيم كرّس سي علي معظم حياته. وعلينا جميعاً أن نكون في مستوى هذا الطموح الجماعي."
خاتمة.
كان علي يعتة رجل عقيدة، ومقاتلاً في السر والعلن، كرّس حياته كلها قرباناً لمُثُل وقيم الحرية والعدالة والكرامة. لقد ترك بصمة في تاريخ المغرب بشجاعته السياسية، وتشدّده في قضايا الحريات وحقوق المواطنين، ودفاعه عن الفئات المحرومة. ما زال صوته، الذي كان يُعبر عن الصامتين، يتردد عبر كتاباته وإرثه الذي أورثه للأجيال القادمة.
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
في هذا اليوم، 13 غشت 2026، نحتفل بذكرى رجل عظيم، بعد 29 سنة من رحيله.






