ولد المحجوب سنة 1923 بدوار الخربة، من أولاد ميمون، كان والده، اليزيد بن إبراهيم، من أوائل أبناء القرية الذين وطئت أقدامهم فرنسا، فاتحاً بذلك، كما توحي سيرته، أحد الأبواب الأولى للهجرة التي ستتسع لاحقاً لتصبح ظاهرة اجتماعية واقتصادية عميقة في المنطقة.
لم يعرف المحجوب المدرسة، فالمدرسة لم تكن موجودة أصلاً في القرية، كما أن علاقته بالمسجد لم تتحول إلى مسار تعليمي منتظم، وكغيره من أبناء جيله، دخل الحياة العملية في سن مبكرة، متنقلاً بين الأعمال المتاحة في ذلك الزمن.
ومن بين المهن التي مارسها، اشتغل في البحر، خصوصاً خلال موسم الصيد الذي كان يبدأ في شهر ماي. وكانت وسيلة الصيد الأساسية هي أغْرابو، وهي قارب تقليدي طويل يصل إلى نحو اثني عشر متراً، يعتمد على المجاديف، ويشتغل على متنه اثنا عشر بحاراً وربان.
ويكتسب هذا المعطى أهمية خاصة إذا وضعناه في سياق الدراسات التي تناولت حياة البحارة المحليين في سواحل الجنوب المغربي. فقد تحدث روبير مونتاني، في دراسته حول البحارة الأهالي، عن زيارته لتفنيت سنة 1924، حيث سجل وجود أربعة قوارب من نوع ««أغرابو» كانت متخصصة في صيد سمكة "تاسركالت".
لكن الصيد آنذاك لم يكن نشاطاً تجارياً بالمعنى الحديث. فلم يكن البحارة يبيعون السمك في الأسواق كما هو الحال اليوم، بل كان جزء كبير منه يوزع على أهل البلدة، بينما كان الباقي يجفف ويمَلّح ليخزن ويستعمل غذاءً إضافياً في أوقات الحاجة. ولم يكن ذلك ترفاً، فقد كانت المنطقة تعيش على وقع المجاعات والأزمات الغذائية المتكررة، وكان تخزين الطعام جزءاً من استراتيجية البقاء.
بعد تجربة البحر، انتقل المحجوب إلى أنزا، حيث نصب خيمة حولها إلى متجر صغير لبيع السكر والشاي والشمع وبعض المواد التي يحتاج إليها البحارة والسكان. ومن هذا النشاط استطاع أن يوفر دخلاً يساعده على إعالة أسرته، قبل أن تفتح الهجرة أمامه مرحلة جديدة تماماً.
من أيت ميمون إلى مناجم الشمال
في سنة 1949، وقع المحجوب عقداً مع إدارة المناجم في شمال فرنسا لمدة ثلاث سنوات، وغادر المغرب رفقة ثلاثة من أصدقائه من أيت ميمون. كان مقصدهم منجم Oignies بالقرب من لانس، في منطقة كانت آنذاك مدينة عمالية صغيرة تضج بالحياة، بينما أصبحت اليوم، بعد عقود من تراجع النشاط المنجمي، شبه مهجورة.
كانت ظروف العمل قاسية، والتقنيات بدائية، وكانت الإقامة تتم في براريك خشبية. أما المؤونة فكانت محدودة، إذ كان العمال يتوصلون مرة في الشهر بكيس من البطاطس، وكمية من العدس والزبدة والقهوة، ضمن نظام تموين يعكس مستوى العيش المتواضع الذي كان يطبع حياة العمال المهاجرين في تلك المرحلة.
لكن المحجوب لم يكن مستعداً للتنازل عن كرامته مقابل العمل.
ذات يوم، طلب منه أحد الأطر الفرنسيين أن يمسح حذاءه الملطخ بغبار الفحم. كان المحجوب يحمل آلة العمل في يده، فاستفزه الطلب واعتبره إهانة تتجاوز حدود علاقة الشغل. فرد عليه بلهجة حازمة: "أتينا إلى هنا للعمل، لا لمسح الأحذية. وإذا كررت هذا الطلب، فسأطرحك أرضا"ً.
عاد إلى غرفته غاضباً، وقال لصديقه الرايس الحسين ما معناه: "لم يبق لنا مكان في هذه الأرض. يجب أن نذهب إلى باريس، حيث يوجد أهلنا وأصدقاؤنا".
لم تكن الرحلة إلى باريس سهلة. خرجوا ليلاً، تاركين وراءهم المنجم وإقامتهم وأجورهم، وهم لا يملكون المال الكافي ولا وسيلة نقل. خطرت لهم فكرة متابعة السة الحديدية، من محطة لانس في اتجاه باريس، وقطعوا المسافة في رحلة استغرقت خمسة أيام.
وحين وصلوا إلى محطة الشمال في باريس، لم تكن بحوزتهم إلا ورقة صغيرة كتب عليها عنوان:
18, rue Rossignol du Bost, 92230 Gennevilliers, Hauts-de-Seine.
كان الرقم 18 يقودهم إلى العمارة، لكن العنوان كان بالنسبة إليهم أكثر من مجرد مكان، فقد كان بوابة إلى عالم يعرفونه جيداً: أبناء القرية الذين سبقوهم إلى الضواحي الباريسية.
حين أصبحت الضاحية قرية أيت ميمون
عندما وصل المحجوب وأصدقاؤه إلى ضواحي باريس، اكتشفوا أن الهجرة لم تكن تعني بالضرورة القطيعة مع القرية.
في المكان الجديد كانوا يجدون اللغة والعادات والطعام، ويستمعون بعد العمل إلى الحاج بلعيد، وإلى أهازيج أحواش وأهياض، وكأن أيت ميمون قد انتقلت معهم إلى فرنسا.
استضافهم أبناء القرية، وساعدوهم في العثور على العمل. لم يكن اندماج المحجوب في الحياة المهنية الجديدة صعباً، فبدأ في معمل صغير سرعان ما توسع وأصبح مؤسسة ذات أهمية بالنسبة لأبناء أيت ميمون.
وكان عدد من أبناء القرية يشتغلون فيه، ومن بينهم رجال ارتبطت أسماؤهم لاحقاً بذاكرة الهجرة الميمونية. وقد تخصص المعمل في صناعة الألياف الضوئية والكابلات، حتى أصبح معروفاً بين أبناء المنطقة باسم "بولحبال"، كما أطلق عليه بعضهم لقب "معمل الشريف" لأنه شغل عدداً كبيراً من "الشرفاء" الميمونيين.
وهكذا لم تعد الهجرة مجرد انتقال أفراد، بل بدأت تتحول إلى شبكة اجتماعية واقتصادية تستقطب أبناء القرية وتوفر لهم فرصاً للعمل.
موزة تكشف عالماً جديداً
من الطرائف التي احتفظت بها ذاكرة المحجوب، وهي في الحقيقة أكثر من مجرد طرفة، قصة الموزة.
كان العمال في المساء يهيئون طعامهم، ويضع كل واحد منهم وجبته في علبة الغذاء الخاصة به. كان المحجوب جديداً على هذا العالم، ولم يكن يعرف كثيراً من الأطعمة التي كانت شائعة في فرنسا.
عند موعد الغداء، أخرج كل عامل طعامه. وبينما كان المحجوب يتأمل ما حوله، تقدم منه أحد العمال ومد له موزة. لم يكن قد رأى الموز في حياته من قبل، فأخذها وظل يتأملها، قبل أن يعرف كيف تؤكل.
قد تبدو القصة بسيطة اليوم، لكنها تكشف المسافة الاجتماعية والثقافية الهائلة التي قطعها أبناء ذلك الجيل. فالرجل الذي جاء من قرية لم تكن فيها مدرسة، ومن مجتمع كان يعيش على اقتصاد الاكتفاء والتدبير، وجد نفسه فجأة داخل مجتمع صناعي يختلف في عاداته الغذائية وفي تفاصيل حياته اليومية.
وكان المحجوب، حين يحكي هذه القصة لابنه الدكتور، لا يحكيها للتندر فقط، بل ليستعيد معها حياة جيل كامل انتقل، خلال سنوات قليلة، من عالم إلى عالم آخر.
سبع سنوات من الغربة
قضى المحجوب نحو سبع سنوات قبل عودته الأولى إلى المغرب، في زمن كانت فيه وسائل السفر صعبة، وكانت الرحلات الجوية محدودة ومكلفة، وكانت العودة إلى الوطن تحتاج إلى تخطيط وإمكانات ليست متاحة للجميع.
لكن ما ميز المحجوب لم يكن فقط قدرته على العمل، وإنما أيضاً إتقانه للتجارة والحساب.
كان شديد الحرص على المال، وكان يخزن ماله وأموال أصدقائه لديه ولعب دور البنك بالنسبة لزملائه، ولا يسلمهم منها إلا ما يحتاجونه، حرصاً منه على ألا تبدد الهجرة ما جنوه من مال. ولهذا يشهد له أبناء جيله بأنه كان يساعدهم على الادخار والاستمرار، وعلى تحويل ثمار الهجرة إلى مشاريع داخل القرية.
كان بالنسبة إلى كثير من المهاجرين أشبه بمستشار مالي غير رسمي، يساعدهم على حفظ المال، وعلى التفكير في المستقبل، وعلى تحويل الأجور الصغيرة إلى رأس مال عائلي.
الهجرة التي غيّرت وجه القرية
بدأت آثار هذه التحويلات المالية تظهر تدريجياً في أيت ميمون. فقد بدأت المنازل الترابية القديمة تتغير، وظهرت أشكال جديدة من البناء والهندسة، وتبدلت ملامح القرية شيئاً فشيئاً.
اشترى المحجوب بيتاً في إنزكان، ثم عاد إلى فرنسا. وبعد سنتين، ساهم في استقدام أخوه عياد، إلى جانب عدد من أصدقائه.
لكن سنة 1960 شكلت محطة أخرى في مساره، إذ قرر العودة إلى المغرب وترك أخاه في فرنسا. ولم يكن ذلك استثناءً، بل كان جزءاً من منطق معروف في الأسر السوسية: تقاسم الأدوار داخل الأسرة الممتدة.
أخ يعمل في المهجر، وآخر يبقى في "تمازيرت" يحافظ على الأرض، ويعتني بالأهل، ويستثمر المال القادم من الخارج. وبذلك تصبح الهجرة مشروعاً عائلياً لا فردياً، وتتحول الأسرة إلى وحدة اقتصادية موزعة بين المغرب وفرنسا.
الجرار... حين وصلت الهجرة إلى الحقول
شارك المحجوب وأحد أفراد أسرته في شراء جرار زراعي، كان من أوائل الجرارات في القرية. كان ذلك حدثاً مهماً، لأنه بدأ يحل محل بعض وسائل الحرث التقليدية التي كانت تعتمد على الدواب والبهائم.
كان الجرار علامة على أن أموال الهجرة بدأت تتحول إلى رأس مال منتج، وأن المهاجرين لم يكونوا يرسلون الأموال للاستهلاك فقط، بل كانوا يساهمون أيضاً في تحديث الزراعة.
غير أن المحجوب لم يستمر طويلاً في الفلاحة، فقد عاد إلى المجال الذي كان أكثر قرباً إلى شخصيته وخبرته: التجارة.
فتح دكاناً في زنقة السوق بإنزكان، يحمل الرقم 10. وأصبح هذا الرقم محفوظاً لدى أبناء القرية، لأنه تحول إلى عنوان معروف للحوالات والرسائل واللقاءات.
كان يوم الثلاثاء، يوم السوق، يشهد تجمعاً خاصاً للمهاجرين. يمتلئ الدكان بالأصدقاء الذين فرقتهم الهجرة، فيتبادلون الحديث حول فرنسا، والبدايات الصعبة، والعمل، والتحولات، وما تحقق من خير بعد سنوات من الكد.
لم يكن الدكان مجرد محل تجاري، كان فضاءً اجتماعياً، ومكتباً غير رسمي للهجرة، ومكاناً لتبادل الأخبار، وحفظ الذاكرة، وربط القرية بالمهاجرين.
من الحوالات إلى التضامن
لم تتوقف وظيفة المحجوب وأمثاله عند مساعدة الأفراد على تدبير أموالهم. فقد كانت الهجرة تبني، بالتدريج، أشكالاً جديدة من التضامن الجماعي.
عندما كانت القرية تحتاج إلى بناء مسجد أو إصلاح منشأة أو تمويل مشروع جماعي، كان أبناء القرية في فرنسا يجمعون التبرعات ويرسلونها إلى الوطن.
وكان الدكتور إدريس، ابن المحجوب، يتولى في فرنسا جانباً من هذه المهام، بل تحول في فترات معينة إلى ما يشبه الكاتب العمومي للجالية: يحرر الرسائل، وينقل الأخبار، ويساعد أبناء القرية في التواصل مع عائلاتهم.
وكان يوم السبت يحمل معه أخبار المغرب ورسائله، كما كانت الرسائل القادمة من فرنسا تحمل أخبار الأبناء والآباء والإخوة.
وهكذا أصبحت الهجرة شبكة اتصالات عابرة للحدود، لا تقوم فقط على تحويل الأموال، وإنما على تداول الأخبار، وتقديم المساعدة، وتمويل المشاريع، وحفظ الروابط الاجتماعية.
الكرامة قبل كل شيء
إن حكاية الحاج المحجوب ليست حكاية مهاجر جمع المال وعاد إلى وطنه فحسب. إنها حكاية رجل من جيل لم تكن أمامه المدارس ولا فرص التكوين، لكنه امتلك ما يكفي من الذكاء العملي والاعتداد بالنفس ليشق طريقه بين البحر، والتجارة، والمناجم، والمصانع، والأسواق.
وإذا كانت حادثة رفضه مسح حذاء المسؤول الفرنسي تبدو في ظاهرها لحظة غضب عابرة، فإنها في عمقها تختصر فلسفة كاملة: المهاجر يأتي للعمل، لكنه لا يأتي ليتنازل عن كرامته.
ومن هنا يصبح عنوان هذه الحكاية دالاً على مسار كامل: الكرامة أولاً، والكرامة أخيراً.
لقد حمل المحجوب معه من أيت ميمون إلى فرنسا أكثر من حقيبة السفر، حمل لغة القرية، وذاكرتها، وعاداتها، وروابطها الاجتماعية. وفي المقابل، عاد إليها محملاً بتجربة جديدة، وبمعرفة جديدة، وبمال ساهم في تغيير العمران والزراعة والتجارة.
وهكذا تحولت الهجرة، في تجربة أيت ميمون، من خروج فردي بحثاً عن العمل إلى مشروع اجتماعي عابر للحدود: مهاجر في فرنسا، وأخ في القرية، وأرض تنتظر، وأسرة تدبر، ومال يتحول إلى بيت أو جرار أو دكان، وجالية تستمر في تمويل المسجد والمدرسة والمشاريع الجماعية.
إنها في النهاية حكاية جيل بلا مدارس، لكنه امتلك مدرسة الحياة، جيل تعلم في البحر والمناجم والمصانع والأسواق، وواجه الإهانة بالكرامة، والغربة بالتضامن، والفقر بالتدبير، وحوّل الهجرة من مأساة فردية إلى رافعة لتحول القرية.
ومن بين مئات الحكايات التي صنعت قرناً من الهجرات السوسية، تبقى حكاية المحجوب شاهدة على حقيقة بسيطة وعميقة: لم يكن السوسي يهاجر ليغادر قريته، بل كان يهاجر وهو يحمل قريته معه، ثم يعود إليها وقد تغير هو، وتغيرت معه القرية.






