سياسة واقتصاد

توضيح فاحش قد يؤلم الذين تعوزهم المؤهلات الفكرية والعلمية لفهم التاريخ والجغرافيا

أحمد الدافري (إعلامي)

نعم. 

من الأفضل أن نبقى في عالم الحمير والبغال عندما يتعلق الأمر بشجب منطق أعوج، حتى هذه الدواب التي خلقها الله لخدمة البشر بهدوء ولطف، لا يمكن أن تحلل به موضوع الاحتلال بإعطاء الحق للمحتل في التمادي في غطرسته وعجرفته. 

هذه رسالة خاصة موجهة للمواطن المغربي الذي تقاسم في صفحته مقالي الذي كتبته هنا أمس بعنوان "إنه منطق أعوج.. حتى الحمار لا يمكن أن يستعمله لتبرير الاحتلال مع الاعتذار الشديد لحيوان أليف لطيف اسمه الحمار"، وكتب معلقا على المقال : بعيدا عن الحمير والخيل والدواب، رئيس بلدية مليليلة ولد في مليلية، فماذا يفعل معه المغرب إن أصبحت مليلية مدينة مغربية؟

----


لا يا سيدي.

 دعنا نبقى في عالم الخيل والحمير والبغال كي نشرح لها ما يحدث وما حدث في التاريخ في مثل هذه الحالات، ودعنا نتحدث عن قصة الفرنسي جاك شوفاليي آخر رئيس بلدية الجزائر العاصمة عندما كانت الجزائر تسمى "الجزائر الفرنسية". 

بدأت قصة عائلة جاك شوفاليي في الجزائر عندما انتقل جده تشارلز شوفاليي من فرنسا واستقر في الجزائر العاصمة عام 1884، وأسس شركة متخصصة في صناعة البراميل وحقق ثروة كبيرة.

 توفي الجد تشارلز شوفاليي فورثه في إدارة أملاك العائلة ابنه إتيان شوفاليي، الذي خلف ابنا هو جاك شوفاليي. كبر جاك شوفاليي في الجزائر العاصمة في وسط استعماري كان السائد فيه هو أن الجزائر أرض فرنسية، وأن فرنسا هي التي صنعت الجزائر ووسعت حدودها وشيدت بنياتها التحتية واكتشفت ثرواتها الطبيعية. جاك شوفاليي تربى في الحزائر العاصمة على فكر المستوطنين والفرنسيين الجزائريين الذين كانوا يؤمنون أن الجزائر هي أرض فرنسية بالكامل وأنه لا يمكن الفصل بينها وبين فرنسا.  


في بدايته السياسية انتُخب جاك شوفاليي نائبا في البرلمان الفرنسي عن الجزائر العاصمة عام 1946 ممثلا لتيار الجزائر الفرنسية. وكان يرى أن الحل يكمن في دمج الجزائر تماما مع فرنسا مع منح الأهالي الجزائريين بعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وفي سنة 1953 تم انتخابه رئيسا لبلدية الجزائر العاصمة التي كانت تحت السيادة الفرنسية الكاملة، وبدأ من منصبه بتنفيذ مشاريع سكنية ضخمة، لإثبات أن فرنسا قادرة على إصلاح الأوضاع.

بعد استقلال الجزائر عام 1962 بمقتضى استفتاء يفرض ضرورة أن تبقى الجزائر متعاونة مع فرنسا، اتخذ جاك شوفاليي قرار عدم مغادرة الجزائر حفاظا على ثروة عائلته، واختار البقاء فيها بشكل نهائي، وأعلن ولاءه للدولة الجزائرية الجدبدة المتعاونة مع فرنسا، وتقدم بطلب رسمي للحصول على الجنسية. و في عام 1965 منحته السلطات الجزائرية الجنسية الجزائرية بمرسوم رسمي، ليصبح قانونيا مواطنا جزائريا، وشغل منصب رئيس غرفة التجارة والصناعة في الجزائر العاصمة، وعمل مستشارا ومسهلا للعلاقات التجارية والاقتصادية بين الشركات الفرنسية والحكومة الجزائرية، إلى أن توفي في 11 نوفمبر 1971 في الجزائر العاصمة عن عمر يناهز 59 عاماً، ودُفن بطلب منه في المقبرة المسيحية. 

أعتقد أن قصة هذا المستوطن الفرنسي الذي كان رئيسا لبلدية الحزائر العاصمة عندما كانت مستعمرة فرنسية، مفيدة، وقد تفيد الحمير والبغال وكل أنواع الدواب التي تعطي الحق للمستعمر المستوطن وتؤيده في كل دفوعاته الاستعمارية، فقط لتصفية حسابات سياسية ضيقة، أو عن جهل أو عن حقد أو عن كراهية، بحيث يقبل ويزكي كل ما يقوله أجنبي ذو عقلية استعمارية هو صحيح، حتى وإن كان كلاما خارج إطار المنطق السليم، ويرفض كل ما يقوله المغربي الذي يسعى إلى مواجهة ادعاءات المستعمر عن طريق الحجة والبرهان.

وهذا ما كان.