سياسة واقتصاد

الوهم الخطابي والإفلاس التنموي في الخطاب الرئاسي الجزائري

أحمد الدافري (إعلامي)

الخطاب السياسي الرئاسي في الجزائر، حسب منهجية التحليل التي تقوم على تفكيك الدلالات، ودراسة أسلوب التعبير ومساءلة مصداقية المحتوى، تعطي نتائج مذهلة على مستوى التردي والتدني، وهي نتائج، تجعل هذا الخطاب الرئاسي الذي يختص به البلد الموجود في الجوار، يحتل الصدارة عالميا من حيث الإفلاس والانحطاط، ويمكن لأي دارس أن يتحقق من ذلك بالرجوع إلى كل الخطابات الرئاسية في الجزائر خلال السنوات السبع الأخيرة.

من بين ما يمكن استخلاصه من تحليل الخطاب السياسي الرئاسي الجزائري، هناك فجوة هامة، تتمثل في صناعة إنجازات صورية ضمن الخطاب، لامتصاص الأزمات المعيشية، مثل التضخم، ندرة المواد الأساسية، سواء المتعلقة بالماء والغذاء، أو بخدمات النقل، مثل أزمة العجلات المطاطية التي تتسبب في حوادث سير مأساوية، وغيرها من الأزمات، وهي أزمات تجعل الخطاب الرئاسي الجزائري يلجأ إلى الخدع اللوجستية لبناء وهم لدى الجزائريين، من بينها خدعة منجم غار اجبيلات، حيث يكشف واقع المنجم كيف تحول مشروع تقني معقد إلى مسرحية سياسية، بعد أن تم تصوير قطار ينقل شحنات وهمية من الحديد الخام، لم يتم إطلاقا استخراجه، وليظهر الرئيس وهو يدشن انطلاق هذا القطار الصوري وهو يسير على سكة حديدية قديمة وموجودة منذ عقود تربط بين بشار ووهران، في حين أن الأقمار الاصطناعية تؤكد أن خط السكة الحديدية العملاق الرابط بين المنجم وبشار غير موجود، زيادة على أنه من الناحية التقنية والعملية، لا يمكن استغلال حديد خام فيه نسبة عالية من الفوسفور دون بنيات تحتية صناعية ومياه كثيرة في موقع الحفر لإزالة الفوسفور، وهذا غير موجود وغير مرصود إلى يومنا هذا، حيث يظهر الموقع في صور الأقمار الاصطناعية في شكل حفرة سطحية فوق أرض صحراوية، ولا شيء غير ذلك.

كما أن تحليل الخطاب الرئاسي الجزائري يكشف عن هاجس ادعاءات التفوق الإقليمي، في عدد من المجالات، وفق أرقام كاذبة، مثل ما يتعلق بصناعة أقلام الأنسولين، حين صرح الرئيس الجزائري بأن الجزائر هي "البلد الوحيد والأول عالمياً في إنتاج أقلام الأنسولين" في سياق البروباغندا الموجهة للقواعد الشعبية غير المطلعة على الإحصائيات الدولية. فصناعة أقلام الأنسولين تسيطر عليها شركات دنماركية وأمريكية وفرنسية عملاقة منذ عقود، وما يحدث محلياً في الجزائر، لا يتعدى عقود تعبئة وتغليف نهائي بناءً على تراخيص أجنبية واستيراد للمادة الحيوية الخام.

الخطاب الرئاسي الجزائري يحاول دوما أن ينتج وعودا جديدة ويحيي وعودا قديمة لطمأنة الشعب الجزائري بأنه سيحق له الرفاهية، مثل إنشاء خط السكة الحديدية العابر للصحراء نحو تمنراست، والطريق التجاري نحو مالي والنيجر، وهما المشروعان اللذان لم يخرجا عن إطار الخطاب اللفظي، نظرا للتكلفة المالية الفلكية التي تعجز الخزينة الجزائرية عن توفيرها خارج ريع النفط، وبسبب الانهيار الأمني والدبلوماسي الشامل في منطقة الساحل. فالقطيعة الدبلوماسية الحادة بين الجزائر والمجالس العسكرية الحاكمة في مالي والنيجر، إلى جانب انتشار الجماعات المسلحة، حولت فكرة بناء خطوط إمداد برية مستقرة عبر الحدود الجنوبية الحزائرية إلى مشروع مستحيل التحقق لا هندسيا ولا أمنيا، وبقيت تلك المشاريع مجرد وعود خطابية للاستهلاك الإعلامي الداخلي، علما أن رأس المال الدولي لا يعترف بالبروباغندا أو بالخطابات التلفزيونية؛ بل يخضع لمؤشرات بيئة الأعمال ووجود بنية تحتية تسهل الإنتاج والتصدير، والأرقام تظهر التدني الكبير الذي تعاني منه الجزائر على مستوى البنية الطرقية، وعلى مستوى الضعف الحاد في تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة خارج قطاع النفط والغاز، زيادة على القوانين البنكية المتخلفة، وسياسات حظر الاستيراد العشوائية التي تسببت في أزمات العجلات وقطع الغيار والأدوية، التي خلقت بيئة غير آمنة للمستثمر الأجنبي.

ويتأكد هذا النهج الخطابي القائم على الأرقام الفلكية والوعود العرقوبية أيضا من خلال الوعود المتعلقة بقطاع تحلية المياه، حيث أطلق الرئيس الجزائري رقماً خياليا أعلن فيه بكل ثقة عن إنتاج ما بين 1,3 و 1,4 مليون متر مكعب يوميا من مياه البحر المحلاة، في محاولة لإيهام الرأي العام بأن أزمة العطش ونقص المياه قد تم حلها جذرياً، غير أن الواقع التقني والقدرات الفعلية للمحطات المنجزة، إلى جانب أزمات انقطاع المياه المتكررة التي يعاني منها المواطنون في العاصمة ومدن كبرى أخرى، تكشف أن تلك الأرقام لم تكن سوى فقاعات إعلامية تفتقر لأبسط معايير الواقعية الهندسية والمالية، بالنظر إلى تكلفة الطاقة الضخمة وصيانة محطات الضخ التي تعجز ميزانية الدولة المنهكة عن تغطيتها بانتظام.

ولا يتوقف مسلسل الوعود الوهمية عند حدود الماء والحديد، بل يمتد إلى قطاع السيارات والميكانيك الذي شهد مهازل تنظيمية متكررة.

فبعد سنوات من إغلاق السوق، وحظر الاستيراد العشوائي الذي دمر شبكة النقل وأهلك القدرة الشرائية للمواطن وجعل قطع الغيار والعجلات المطاطية عملة نادرة، عاد الخطاب الرسمي ليبشر بعودة الصناعة الوطنية للسيارات، مروجاً لتواريخ وهمية وماركات عالمية وهمية ستُصنع محليا، ليتبين لاحقاً أنها لا تعدو أن تكون إعادة تدوير لشروط استيراد تعجيزية مفصلة على مقاس فئة مرتبطة بالنظام الحاكم تستفيد من اقتصاد الريع، دون أن يخرج مصنع حقيقي واحد للوجود يتمتع بسلسلة إنتاج متكاملة.

عندما قرر النظام الجزائري ممارسة استعراض سياسي خطابي كاذب، خلال عملية نقل حديد غار جبيلات لمسافة 950 كلم، فإنه لم يكن يمارس سوى التضليل المفضوح لصناعة انتصارات وهمية يرقّع بها عجز البنيات المؤسساتية عن مواكبة التحديات الاقتصادية الحقيقية.


وتحليل هذا الخطاب يوضح أن الاستهلاك المفرط للوعود الزائفة يعكس هروبا مستمرا إلى الأمام، حيث يُستبدل الفعل التنموي الحقيقي ببروباغندا الأرقام المبتذلة، وحيث تتحول الخطب الرئاسية إلى سجل طويل من الالتزامات المنسية والمشاريع التائهة في الهواء الطلق. 


وفي ظل غياب الشفافية والمحاسبة، وربط القرار الاقتصادي بالولاءات السياسية لا بالكفاءة وجدوى الاستثمار، يظل المواطن الجزائري وحدَه يتحمل فاتورة هذا الإفلاس الخطابي المستمر، ويبقى يعيش في برج عاجي من الأوهام، بينما ترزح البلاد تحت وطأة الاختناق التنموي الشامل.


وهذا ما كان.


أحمد الدافري