ليس كل ما يُنجز يُقاس بضجيج البيانات، ولا كل عمل يستحق التنويه يحتاج إلى منصة وخطاب. هناك أعمال هادئة تمشي في الاتجاه الصحيح، لا يسمع لها كثير من التصفيق، لكن أثرها يظهر في اللحظة الأصعب: لحظة المرض، حين يصبح الإنسان في حاجة إلى من يقف بجانبه قبل أن يسأل عن ثمن العلاج.
من هذه الزاوية، يستحق العمل الذي يقوده ميلود معصيد، رئيس التعاضدية العامة للتربية الوطنية، في مجال توسيع شبكة الشراكات الصحية والاتفاقيات والعدالة المجالية التعاضدية، قراءة مختلفة عن الحسابات الضيقة وعن تلك النظرة التي تختزل التعاضد في اقتطاع شهري يظهر في ورقة الأجرة.
فالتعاضدية، في جوهرها، ليست ورقة ولا طابعاً ولا رقماً في ملف.
التعاضدية فكرة اجتماعية قبل أن تكون مؤسسة: أن يتقاسم الناس ثقل المرض حتى لا يسقط أحدهم تحته وحيداً... وهذه هي الفلسفة التي أحياها ميلود معصيد، بشجاعة حتى الشراسة.
مما يجعل توسيع شبكة المؤسسات الصحية المتعاقدة محطة تتجاوز لغة الأرقام.
حين تفتح الاتفاقية باباً في جدار المرض
في هذا السياق، اتجهت في السنوات الأخيرة التعاضدية العامة للتربية الوطنية ضمن برنامج ميلود معصيد إلى توسيع دائرة شراكاتها مع مؤسسات استشفائية وازنة، في الرباط والدار البيضاء وغيرها، بما فتح أمام نساء ورجال التعليم إمكانات أوسع للاستفادة من خدمات صحية متخصصة.
ومن بين الأسماء التي برزت في هذا المسار المستشفى الجامعي الدولي الشيخ خليفة بن زايد بالدار البيضاء، الذي دخل ضمن المؤسسات المتعاقد معها، بما يتيح للمنخرطين الاستفادة من خدمات طبية واستشفائية متقدمة في إطار الاتفاقية المبرمة مع التعاضدية.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد إضافة اسم جديد إلى قائمة الشركاء.
فخلف كل اتفاقية أستاذ قد يحتاج إلى عملية جراحية، وإطار تربوي بحث عن علاج لزوجه، وأبا يخشى أن يتحول مرض ابنه إلى كارثة مالية، وأسرة تريد أن تعبر من باب المستشفى دون أن تخرج منه مثقلة بالخوف والدين.
لهذا تكون الشراكة الصحية ناجحة حين تنتقل من الورق إلى حياة الناس.
الصحة ليست هامشا...
كان رجل التعليم، في كثير من الأحيان، يجد نفسه أمام مفارقة مؤلمة: مهنة تقوم على بناء الإنسان، بينما يمكن لمرض مفاجئ أن يستنزف مدخراته، ويضع الأسرة أمام حسابات قاسية.
ولهذا فإن توسيع شبكة المؤسسات الصحية ليس ترفاً مؤسساتياً.
إنه جزء من العدالة الاجتماعية داخل أسرة التعليم.
ومن هنا تأتي أهمية إدماج مؤسسات استشفائية كبرى، سواء في الرباط أو الدار البيضاء، ومواصلة التفاوض مع مؤسسات أخرى، بما فيها المؤسسات الجامعية والمتخصصة.
والأهم أن الرهان لا ينبغي أن يظل محصوراً في المدن الكبرى؛ فالأستاذ في وجدة أو أكادير أو فاس أو الرشيدية ليس أقل حاجة إلى العلاج من زميله في الرباط أو الدار البيضاء.
التعاضد الحقيقي هو الذي لا يجعل الجغرافيا قدراً صحياً.
مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة… أفق جديد
وتزداد أهمية هذا المسار مع توسيع الاستفادة من شبكة المؤسسات التابعة لـمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، بما تمثله من بنية استشفائية جامعية وطبية متخصصة.
فحين تقترب أسرة التعليم من مؤسسات توفر تخصصات دقيقة وتجهيزات حديثة، فإنها لا تحصل فقط على خدمة إضافية؛ إنها تحصل على هامش أوسع للأمل.
وفي زمن أصبحت فيه بعض الأمراض تحتاج إلى تخصصات دقيقة، وتجهيزات باهظة، ومسارات علاج طويلة، يصبح الوصول إلى الطب المتخصص جزءاً من كرامة المواطن، وليس امتيازاً ينبغي أن يحلم به.
وهنا تحديداً يمكن فهم أهمية ما يجري داخل التعاضدية: الانتقال من تدبير العلاقة مع العلاج بمنطق الملفات، إلى بناء شبكة أوسع تجعل المنخرط أقل وحدة أمام المرض.
والمختبر أيضاً حكاية أخرى
ومن الخدمات التي تستحق أن تُعرف أكثر وجود المختبر التعاضدي للتعاضدية العامة للتربية الوطنية بالدار البيضاء.
قد يبدو المختبر مجرد فضاء للتحاليل الطبية، لكن بالنسبة إلى أسرة تعيش ضغط المصاريف الصحية، يمكن لتحليلة واحدة مكلفة أن تكون رقماً ثقيلاً في ميزانية شهر كامل.
وحين توفر مؤسسة تعاضدية خدمات مخبرية لفائدة منخرطيها وفق شروط الاستفادة المعتمدة، فإنها تكون قد ترجمت فلسفة التعاضد إلى شيء ملموس:
أن لا يكون المرض مناسبة أخرى لإفقار الأسرة.
وهذه الخدمات، خصوصاً عندما تشمل تحاليل متخصصة، تستحق مزيداً من التعريف والتواصل حتى يعرف المنخرط حقوقه والخدمات المتاحة له، بدل أن تبقى بعض المكتسبات مجهولة حتى لمن يفترض أنه المستفيد الأول منها.
معصيد… المسؤولية ليست سهلة
ليس المطلوب تحويل رئيس التعاضدية إلى بطل أسطوري، ولا تحويل مؤسسة اجتماعية إلى مساحة للتصفيق.
المطلوب هو الإنصاف.
وعندما يُنجز عمل يخدم آلاف الموظفين والمتقاعدين وأسرهم، يصبح من واجبنا أن نقول إن هذا العمل جيد.
ومعيدصيد، وهو يقود التعاضدية العامة للتربية الوطنية، يتحمل مسؤولية ليست بسيطة. فالمطلوب ليس فقط توقيع الاتفاقيات، وإنما ضمان أن تتحول إلى خدمات فعلية، وأن يعرف المنخرط كيف يستفيد منها، وأن تكون المساطر مفهومة، وأن لا يتحول المرض إلى رحلة أخرى من الانتظار والأوراق.
التعاضدية لا تُقاس فقط بما تفاوضت عليه، بل بما وفّرت على المنخرط من قلق ووقت ومال.
وهذا هو الاختبار الحقيقي.
لأن الأستاذ يستحق أكثر
رجال ونساء التعليم لم يطلبوا يوماً قصوراً صحية.
هم يريدون شيئاً أكثر بساطة وأكثر إنسانية:
أن يجدوا العلاج حين يحتاجونه.
أن لا يقف مريض أمام شباك المستشفى وهو يحسب في رأسه ما تبقى في حسابه البنكي.
أن لا تضطر أسرة إلى بيع ما تملك لأن أحد أفرادها احتاج إلى عملية.
أن يشعر الأستاذ، الذي قضى عمره أمام السبورة يعلم أبناء الآخرين، أن المجتمع لم ينسه حين جاء دوره في الحاجة.
لهذا فإن توسيع شبكة الشراكات الصحية الذي تعمل عليه التعاضدية العامة للتربية الوطنية يستحق التقدير.
ليس لأن الطريق انتهى، بل لأنه بدأ يفتح أبواباً جديدة.
والطريق، في الحقيقة، ما يزال طويلاً: مزيد من المؤسسات، مزيد من القرب، تبسيط للمساطر، سرعة في التكفل، شفافية أكبر في المعلومة، وتغطية أوسع للجهات...وهذا طبعا ضمن أجندة ميلود معصيد الذي في ولايته عرفت التعاضدية تحولات كبرى.
لكن هناك قاعدة بسيطة ينبغي ألا تضيع وسط لغة المؤسسات:
كل اتفاقية تجعل مريضاً أقل خوفاً هي اتفاقية ناجحة.
وكل درهم توفره على أسرة منهكة هو شكل من أشكال العدالة.
وكل باب علاج يُفتح أمام أستاذ أو أستاذة هو رد جميل لمن قضى عمره يفتح أبواب المعرفة لأبناء الوطن.
وهنا تستعيد كلمة «التعاضد» معناها الأول والجميل:
أن نكون أقوياء لأننا معاً، وأن لا يواجه أحد منا المرض وحيداً.






