سياسة واقتصاد

العلاقات المغربية الإسبانية.. سيسموغرافيا منذرة بالمزيد من الهزّات

محمد عزيز الوكيلي (إطار تربوي متقاعد)
بالفعل، تعيش العلاقات المغربية-الإسبانية حركة "سيسموغرافية" سياسية وأمنية استخباراتية عالية الوتيرة، والسبب في ذلك هو ملف الصحراء، وقضية استرجاع سبتة ومليلية والجزر، ومسألة الهجرة، التي لا تتفكّك إلاّ لتتعقد من جديد، دون أن نغفل شطحات أحزاب وشخصيات إسبانية ما زالت تفكر وتتكلم وتتصرف بمنطق استعماري قديم، يستمد جذوره من العقلية التي كانت سائدة هناك في خمسينات القرن الماضي... فما الذي يقع الآن وقد تخطّينا منتصف 2026؟

مد وجزر مستمران: 

تقول مرآة العلاقات الثنائية، رسميا، إن هناك "شراكة استراتيجية" و"مرحلة جديدة" بدأت منذ سنة 2022، أي منذ أن أقرت مدريد مقترح الحكم الذاتي المغربي "كأساس واقعي فريد لحل نزاع الصحراء".

بيد أن التوتر لا يفتأ يُلقي بكلكله في كل مرة، خصوصا مع تواتر أزمات الهجرة غير النظامية، حيث شهدنا مثلاً قُبَيْل نحو ثلاثة أسابيع، عبور مابين 40 ألف إلى 60 ألف مهاجر مغربي ومغاربي وإفريقي إلى مدينة سبتة المحتلة، الشيء الذي جعل إسبانيا تعلن "حالة طوارئ إنسانية"، كما سمّتها، وشرعت وسائلها الإعلامية في الحديث عن إمكانية إرسال قوات الجيش الوطني إلى المنطقة، وتزامَن ذلك مع تصريحات مستفزة وغير محسوبة العواقب لوزيرة الدفاع الإسبانية، ممّا أثار حفيظة الإعلام المغربي، بل عكّر هدوء الجهات المغربية الرسمية، التي أبدت استغرابها لهذا التصعيد، بل تناولت الموضوع بحدة تبدو مدروسة ومقصودة، على لسان وزير العدل المغربي، عبد اللطيف وهبي، الذي أسمع الإسبانيين كلاماً أقاموا من جرّائه الدنيا ولم يُقعِدوها، حول "مغربية المدينتين المحتلتين"، وكان ذلك واضحا في تصريحاته التي، أبدى فيها رفض المغرب لأن تتخذ إسبانيا مواقف من جانب واحد، دون التشاور والتنسيق معه، علماً بأن المحرك الرئيسي لهذه الأزمة الجديدة، أو المتجددة، يعود إلى ما نشرته الجهات الإسبانية نفسها، حول اعتزامها "تسوية الوضعية القانونية لكل المهاجرين الوافدين عليها من جهة البحر"، الشيء الذي جعل آلاف النازحين في ذلك اليوم "يأخذون أسبانيا على طرف لسانها" كما يقول المثل، وبذلك تكون هي المسؤول الأول عن ذلك الاختراق البشري الكاسح.

ملف سبتة ومليلية المؤجل إلى حين: 

لقد أبدى المغرب في تعامله مع هذا الملف القديم ولكنْ، الحي باستمرار، نوعاً من "الثبات المبدئي الذي لا يقبل المساومة على السيادة"، ولكنه يمنح الأولوية لواقع التعاون الثنائي الوثيق، دون ربطه آلياً بهذا الملف.

وفي مقابل ذلك، وبلا أدنى حرج، تستمر إسبانيا في تأكيدها المعهود على أن "السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية مسألة وجودية لا تقبل التشكيك".

والحال أن هذا المنطق، الاستعماري بكل المعايير، يشتغل بعضُ الأحزاب الإسبانية عليه لأهداف داخلية، وبالتالي انتخابية ليس إلا، علماً بأن ذلك خارجياً يزيد في تعميق الهوة ببن الجارين، المحكومين بظروف تاريخية وأخرى راهنة، بالنظر لمجالات التعاون الكثيرة والشاسعة، الرابطة بينهما إلى إشعار آخر.

في هذا السياق بالذات، عبّر مسؤولون مغاربة من مختلف الأطياف عن أسفهم الشديد إزاء استمرار بعض الأطراف السياسية الإسبانية في توظيف ملف وحدتنا الترابية، كورقة ضغط داخلي، لتحقيق أغراض سياسية داخلية لا صلة لها بالمغرب من قريب أو بعيد.

وهكذا، وكما يقول الإسبانيون أنفسهم، "فكلما حاولت إسبانيا تضييق الخناق على المغرب في قضية الصحراء، إلا وصعّد المغرب من جهته في ملفَّي الهجرة وسبتة ومليلية". بمعنى أن سياسيي آخر ساعة هؤلاء، يعودون في كل مرة إلى منطق "الحماية والجيوب الاستعمارية"، رغم أن الزمن يقتضي تعطيلَ ذلك المنطق ،ووَقْفَ الاستناد إليه بالمرة.

بالإضافة إلى ذلك الضرب من الابتزاز السياسي، تمارس إسبانيا على المغرب صنفاً من الضغط الاقتصادي، عن طريق تحريكها لآليات وأجهزة الاتحاد الأوروبي قصد الاستمرار في السماح لصياديها بالإثخان في المياه الإقليمية المغربية، وبالاستمرار بالتالي في استنزاف ثرواته البحرية"، وفي نفس الوقت، تشتكي إسبانيا نفسُها من "تنافسية المنتجات الفلاحية المغربية"، حتى أنها تتغاضى عمداً عن الاعتداءات السافرة التي تتعرض لها تلك المنتجات على أيدي نقابات وجمعيات الفلاحين الإسبان، وتلك محاولة سافرة لتأبيد عقلية استعمارية قديمة تقول: "أستفيد أنا من خيراتك وفي الوقت نفسه أقصيك من المنافسة"... وهذا لم المغرب يستسيغه، وبأي صيغة من الصِّيَغ.

وهنا يٌطرح السؤال المنطقي: "لماذا لم يؤد ذلك كله إلى تسميم العلاقات إلى درجة قطعها رسمياً"؟ ويأتي الجواب منطقياً هو الآخر: " لأن هناك مصالح متداخلة ومتشابكة ومعقدة، منها الاقتصادي، بوصف إسبانيا أول شريك تجاري للمغرب داخل الاتحاد الأوروبي، حيث التعاون الثنائي في مجال الصيد البحري يمنح 100 سفينة إسبانية حق الاكتيال من المياه المغربية، ثم هناك الجانب الأمني، المتعلق بالهجرة، وبمكافحة الإرهاب.

وفوق هذا وذاك، وعلى المستوى الجيواستراتيجي، يقدم المغرب نفسه كبوابة فريدة ومستقرة لإفريقيا، في وقت تحتاج فيه إسبانيا إلى ذلك النوع من الاستقرار بالذات. وهذا هو الذي يجعل الخبراء يقرّون ويؤكدون بأن "كل بلد من البلدين الجارين يظلّ في أمس الحاجة إلى الآخر بحكم القرب الجغرافي وتداخل المصالح والمنافع".

لن أتطرق في هذا المستوى إلى شطحات النظام الجزائري، الذي يتحين كل الفرص لصب المزيد من الزيت في نيران الخلافات المغربية الإسبانية الطارئة، لأهداف لا تخفى على أحد، فقد صار القلم يعاف العودة إلى ذلك الجار لفرط خسته ودناءة ممارساته.

لذلك، سأكتفي بالقول إن العلاقات بين المغرب وإسبانيا تشهد الآن "هدوءاً نسبياً ولكنه لا يُخفي سوء الفهم الكامن تحت رماده". تشهد على ذلك، الهزات العنيفة التي ما فتئت تعيشها العلاقات بين البلدين إلى غاية يومه.

نهايته... إن المغرب يتحرك وفق أجندة واضحة، ولا ريب أن "المرحلة المقبلة ستكشف عن طبيعة الازدواجية المتجذّرة في هذه العلاقات الملتبسة"، ومن الطبيعي أن مغرب اليوم، ومن الآن فصاعداً، سيربط أي شراكة مستقبلية بالاحترام الواجب لسيادته الكاملة على جميع مكوناته الوطنية والترابية... وما على إسبانيا إلا أن تختار بين شراكة القرن الحادي والعشرين، أو ممارسات القرن الآفل.