فن وإعلام

أوهام‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬النشر‭ ‬

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام (روائي عراقي مقيم في لندن)

إذا‭ ‬ذهبت‭ ‬الى‭ ‬إقامة‭ ‬مقارنة‭ ‬بين‭ ‬واقع‭ ‬نشر‭ ‬الكتب‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬والناشرين‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬سأجد‭ ‬انهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفعالية‭ ‬الثقافية‭ ‬التجارية‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬كوكب‭ ‬آخر‭ ‬فعلاً‭.‬

لا‭ ‬تمتلك‭ ‬الأغلبية‭ ‬الساحقة‭ ‬للناشرين‭ ‬العرب‭ ‬الا‭ ‬الحدود‭ ‬الدنيا‭ ‬من‭ ‬التقاليد‭ ‬الخاصة‭ ‬بصناعة‭ ‬الكتاب‭. ‬هناك‭ ‬مئات‭ ‬وربما‭ ‬آلاف‭ ‬يحملون‭ ‬لقب‭ ‬ناشر،‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬بعيدون‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الفعالية‭ ‬الراقية،‭ ‬اذ‭ ‬طالما‭ ‬وجدناهم‭ ‬يستنسخون‭ ‬مائة‭ ‬أو‭ ‬مائتي‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬‮«‬ملزمات‮»‬‭ ‬اكاديمية‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬نقولات،‭ ‬لا‭ ‬تميز‭ ‬فيها‭ ‬ويحولونها‭ ‬الى‭ ‬كتب،‭ ‬ليست‭ ‬لها‭ ‬اية‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬في‭ ‬اختصاصها‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تسويق‭ ‬الكتب‭. ‬وبعض‭ ‬الناشرين‭ ‬يعيشون‭ ‬الوهم‭ ‬في‭ ‬الانتشار‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وضع‭ ‬رقم‭ ‬التصنيف‭ ‬الدولي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعوا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬له‭ ‬اشتراطات‭ ‬كثيرة‭ ‬لكي‭ ‬مفعلا،‭ ‬منها‭ ‬إيداع‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬مكتبة‭ ‬الكونغرس‭ ‬الامريكي‭ ‬او‭ ‬المكتبة‭ ‬البريطانية‭ ‬أو‭ ‬هيئات‭ ‬أخرى‭ ‬تعني‭ ‬بالكتاب،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬النسخ‭ ‬الالكترونية‭ ‬والسمعية‭ ‬والبصرية‭. ‬

العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المؤلفين‭ ‬والناشرين‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬مباشرة،‭ ‬وتعتمد‭ ‬في‭ ‬الاغلب‭ ‬على‭ ‬مقايضة‭ ‬او‭ ‬بيع‭ ‬وشراء‭ ‬مباشرين،‭ ‬مثل‭ ‬أي‭ ‬بقالة‭. ‬وفي‭ ‬العالم‭ ‬هناك‭ ‬عتبة‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭ ‬لاهم‭ ‬كاتب‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬وهي‭ ‬الوكيل‭ ‬الادبي‭. ‬والناشرون‭ ‬العرب‭ ‬هنا‭ ‬ليسوا‭ ‬متهمين‭ ‬بالتجارية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬ليست‭ ‬عيباً‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬ابداً،‭ ‬ذلك‭ ‬انّ‭ ‬هناك‭ ‬ضحالة‭ ‬متفشية‭ ‬في‭ ‬التأليف‭ ‬اذ‭ ‬يجتاح‭ ‬الاستسهال‭ ‬الغبي‭ ‬مساحات‭ ‬واسعة،‭ ‬ويشبه‭ ‬اكتساح‭ ‬الحرائق‭ ‬الغابات‭ ‬الخضراء‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬وأوربا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصيف‭ ‬القاتل‭ . ‬وتحول‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬الابداع‭ ‬او‭ ‬التفكير‭ ‬والثقافة‭ ‬والعلم‭ ‬الى‭ ‬طالبي‭ ‬نشر‭ ‬مؤلفاتهم‭ ‬للوجاهة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬لدى‭ ‬ناشرين‭ ‬يدركون‭ ‬انهم‭ ‬لن‭ ‬يبيعوا‭ ‬نسخة‭ ‬منها‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الدعاية‭ ‬لها‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬صلاحية‭ ‬نشرها‭ ‬في‭ ‬الأساس،‭ ‬لكن‭ ‬ضعف‭ ‬دعم‭ ‬صناعة‭ ‬الكتاب‭ ‬يجعل‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الناشرين‭ ‬ومعظمهم‭ ‬من‭ ‬الطارئين‭ ‬على‭ ‬عالم‭ ‬النشر‭ ‬مضطرين‭ ‬لقبول‭ ‬النشر‭ ‬مقابل‭ ‬استيفاء‭ ‬كامل‭ ‬ثمن‭ ‬النسخ‭ ‬المطبوعة‭.‬

ان‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬تتلقاها‭ ‬أيدينا‭ ‬في‭ ‬معارض‭ ‬الكتب‭ ‬والمكتبات،‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬راسخة،‭ ‬لها‭ ‬اشتراطاتها‭ ‬في‭ ‬النجاح‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬ورق‭ ‬وحرف‭ ‬وتصميم‭ ‬داخلي‭ ‬وغلاف‭ ‬وتجليد‭ ‬وتوزيع‭ ‬وشحت‭ ‬ودعاية‭ ‬ومراجعات‭ ‬ومجلات‭ ‬داعمة،‭ ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬السلامة‭ ‬اللغوية‭ ‬عبر‭ ‬المراجعات‭ ‬الدقيقة،‭ ‬وهذا‭ ‬يقودنا‭ ‬الى‭ ‬سؤال‭ ‬مزمن،‭ ‬لماذا‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬ان‭ ‬نجد‭ ‬مئات‭ ‬الأخطاء‭ ‬اللغوية‭ ‬والاملائية‭ ‬والطباعية‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬لن‭ ‬نجد‭ ‬أي‭ ‬خطأ‭ ‬ومن‭ ‬أي‭ ‬مستوى‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬ناشره‭ ‬إنكليزي‭ ‬أو‭ ‬أمريكي‭ ‬أو‭ ‬فرنسي؟

وهنا‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬الكتب‭ ‬الصالحة‭ ‬للنشر‭ ‬وليست‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ترتقي‭ ‬لكي‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ ‬كتاب،‭ ‬وانما‭ ‬هي‭ ‬مسروقات‭ ‬غير‭ ‬منسقة‭ ‬وغير‭ ‬ناضجة‭ ‬بين‭ ‬دفتي‭ ‬كتاب‭.‬