أثار قرار المحكمة الدستورية القاضي بتعذر البت في الإحالة التي تقدم بها رئيس مجلس النواب حول مطابقة القانون المنظم لمهنة المحاماة للدستور بعلة عدم إرفاق رسالة الإحالة بنسخة طبق الأصل من الصيغة النهائية للقانون، نقاشا قانونيا مستفيضا في أوساط المهتمين من محامين وأساتذة جامعيين وغيرهم، لكن العلة التي ارتكز عليها القرار لم تنل نصيبها الكافي من التحليل السياسي. فالأمر لا يقتصر على كون لمجرد خطأ شكلي بسيط في المسطرة أو إغفال غير مقصود حال دون النفاذ لجوهر القانون وفحص دستوريته، بل هو سلوك يضرب مصداقية السلطة التشريعية ودورها المحوري في التشريع في مقتل، لأن السيد الطالبي العلمي هنا لم يكن يمثل حزب الأحرار كقائد للحكومة، ولا يمثل أيضا أحزاب الأغلبية الحكومية، بل كان يمثل السلطة التشريعية التي تعتبر سلطة مستقلة عن باقي سلط الدولة بما فيها السلطة التنفيذية. وهنا لا يمكن القبول بأي حديث عن التواطؤ أو المؤامرة على مهنة المحاماة أو على المحامين، بل إن التآمر إن تحقق فهو على الدولة وعلى نظام الحكم فيها الذي هو نظام ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية يقوم على أساس فصل السلط، وعلى دستور صوت عليه الشعب المغربي بتعداد يتجاوز 35 مليون مواطنة ومواطن، والذي اختار هذا النظام وحدد اختصاصات كل سلطة من السلط. ومبدأ فصل السلط الذي استهل به الدستور فصله الأول، يقوم على التوازن والتعاون بينها للنهوض بأدوارها الدستورية وليس على التواطؤ والتآمر فيما بينها ضد المصلحة العامة. وهذا الأمر -إن تحقق- سيكون أكبر جريمة سياسية في حق البلاد في العهد الجديد. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، وإذا تأكد بأن عدم إرفاق رسالة الإحالة إلى المحكمة الدستورية بنسخة طبق الأصل من الصيغة النهائية للقانون كان أمرا مقصودا، فإنه يشكل أيضا جريمة سياسية أخرى لا تقل خطورة عن الأولى، تتمثل في احتقار المحكمة الدستورية والتلاعب بها وتعمد حرمانها من ممارسة اختصاصها الدستوري خدمة للحكومة لتمرير القانون الذي تقدمت به كمشروع. فمن المعلوم أن المحكمة الدستورية ليست بالمحكمة العادية التي تحكم ملايين الملفات سنويا كما هو حال المحاكم العادية، وهي ليست بالمحكمة التي تفصل في النزاعات بين الأشخاص فيما بينهم أو في نزاعاتهم مع الدولة ومؤسساتها، بل هي محكمة -وذلك واضح من اسمها- أحدثت لممارسة اختصاص أصيل يتجسد في مراقبة مدى مطابقة القوانين التنظيمية والعادية والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان للدستور. وهذا معناه أنه عند إحالة أي قانون على أنظارها يتوجب على الجهة المحيلة أن تحرص على مساعدة هاته المحكمة على ممارسة صلاحياتها كاملة وبفعالية تامة دون عراقيل، وذلك بإحالة كل الوثائق اللازمة للبت في جوهر النص وفي مقدمتها القانون المطلوب فحص دستوريته. لكن ما جرى بخصوص قانون المحاماة سار عكس ذلك، حيث سلمت المحاضر والتقارير والنسخة المصادق عليها من طرف مجلس النواب، وغاب القانون المطلوب في صيغته النهائية كما صادق عليه مجلس المستشارين، وهو المعني بفحص مطابقته للدستور من عدمها. والأدهى والأمر أنه بعد صدور قرار المحكمة الدستورية للعلة المشهورة، لم نشهد أي رد فعل أو تحرك من رئيس مجلس النواب لتدارك خطئه وإصلاح خطيئته رغم مرور 12 يوما الآن، علما أن المنطق السليم وروح الدستور وحيثيات القرار كانوا ينبئون بأن السيد الطالبي العلمي كان سيتحرك على الفور وربما على أبعد تقدير في اليوم الموالي لصدور القرار لتقديم إحالة جديدة وفقا للقانون. لكن لا شيء من ذلك وقع، وهذا يرجح فرضية تحالف السلطتين التنفيذية والتشريعية لإفلات القانون من الرقابة الدستورية كشكل من أشكال التواطؤ المؤسساتي. الأمر الذي يقتضي فتح تحقيق أو تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول هاته الفضيحة الدستورية والسياسية غير المسبوقة في البلاد لترتيب المسؤوليات والجزاءات الممكنة، لأنه لا يعقل أن يمر هذا الموضوع مرور الكرام ويستكمل القانون مساره نحو التنفيذ والنشر وندخل الانتخابات التشريعية في شهر شتنبر وكأن شيئا لم يقع.






