سياسة واقتصاد

أرباح إسبانيا من المهاجرين غير النظاميين

أحمد الدافري (إعلامي)

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز كان قد صرح رسميا بأن إسبانيا ستخسر نحو 19% من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2050، وسترتفع هذه الخسائر لتصل إلى 22% بحلول عام 2075 إذا توقفت الهجرة تماما ...


 بيدرو سانشيز كان قد أطلق هذا الإعلان بالضبط يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026، بتزامن مع اليوم الختامي لبرنامج تسوية أوضاع المهاجرين الاستثنائي في إسبانيا...


وفي 30 يوليوز 2026 تدفق المهاجرون غير النظاميين على سبتة...


لنتأمل أولا في الأرباح التي تحققها إسبانيا من المهاجرين غير النظاميين، بمن فيهم القاصرون، بعد تسوية أوضاعهم. 


ولنبدأ بحدث قد يكون غير ذي صلة بصلب موضوع العنوان. 

لكن ربما يكون مدخلا جيدا لفهم بعض الحوافز التي تجعل الهجرة غير النظامية مسألة مثيرة وجذابة.  


نيكو ويليامز لاعب إسباني ولد في إقليم بيلباو، لكن والديه كانا قد هاجرا من غانا، وقطعا مسافة طويلة في الصحراء الكبرى مشيا على الأقدام، ووصلا إلى مليلية المحتلة، وتسللا إليها، ومنها تمكنا من الوصول إلى إقليم الباسك في إسبانيا بسهولة وبتيسير من جمعيات إسبانية، حيث أنجبا هناك ابنهما الأول الذي يلعب حاليا مع منتخب غانا، ثم أنجبا ابنهما الثاني نيكو ويليامز، الذي أصبح لاعبا في فريق أتلتيكو بيلباو قبل أن يصبح لاعبا في المنتخب الإسباني، وهو الذي أعطى الأسيست لفران طوريس مسجل هدف فوز إسبانيا بكأس العالم 2026.


أليس نيكو ويليامز هو اليوم إيقونة بالنسبة إلى كل الغانيين ومعهم أفارقة من بلدان أخرى، وعلامة دالة على ما يمكن أن يتحقق من أرباح بفضل الهجرة غير النظامية، سواء بالنسبة إلى المهاجر أو إلى إسبانيا؟


الأساس في تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، هو أنهم يتحولون إلى قوى عاملة مرئية خاضعة للرقابة الأمنية تضخ الأموال في خزينة الدولة وصناديق التقاعد التي تعاني من أزمة كبيرة بسبب شيخوخة الإسبانيين.

ثم إن القانون الإسباني والأوروبي عندما يمنع منعا باتا ترحيل القاصرين المتسللين إلى سبتة ومليلية ويُلزم الدولة برعايتهم وتوفير السكن والتعليم لهم، فإن البلدان الأوروبية، ومنها إسبانيا، لا تخسر شيئا بتطبيق هذا القانون، بل هي تربح منه الكثير.  


عندما يصل المهاجرون القاصرون غير النظاميين إلى سن الرشد بعد سنة أو سنتين أو حتى بعد ست سنوات من الرعاية داخل إسبانيا، يصبح من المستحيل عمليا وقانونيا طردهم، فتقوم الدولة بتسوية أوضاعهم، وتصبح الفائدة التي تجنيها منهم ملموسة بتحويل العمالة غير الرسمية إلى قوة ضريبية قانونية تضخ مئات الملايين من اليوروهات سنويا في نظام الضمان الاجتماعي المهدد بالانهيار بسبب الشيخوخة.


 وتشير البيانات الاقتصادية لعام 2026 إلى أن المهاجرين باتوا يمثلون نحو 23% من إجمالي القوة العاملة في البلاد.

فهناك في إسبانيا نقص حاد وعجز دائم في اليد العاملة المحلية الإسبانية في قطاعات وأعمال محددة لا يُقبل عليها الإسبان، وتعتمد كليا على المهاجرين بعد تسوية أوضاعهم. فمثلا، الشباب الإسباني يرفض العمل في الحقول وجني المحاصيل نظراً لظروف الطقس القاسية والأجور المنخفضة مقارنة بقطاعات أخرى.


 تعتمد مناطق زراعية شاسعة بالكامل مثل حقول الزراعات المغطاة في ألميريا ومزارع الفراولة في ويلفا على المهاجرين لتأمين الأرباح للفلاحين الإسبانيين الكبار المتخصصين في هذا النوع من الزراعات التي تتكون من الفواكه والخضروات الموجهة للتصدير الأوروبي. 

كما أن إسبانيا هي واحدة من أسرع المجتمعات شيخوخة في العالم مع تراجع حاد في معدلات المواليد.ويستوعب قطاع رعاية الأشخاص المسنين في إسبانيا عددا هائلا من المهاجرين المسواة أوضاعهم، حيث يشغل المهاجرون نحو 72% من وظائف الخدمة المنزلية ورعاية كبار السن والمساعدين الصحيين في المنازل ودور العجزة. 


كما أن العمل في قطاع البناء يبتعد عنه الإسبان بحكم أنه من المهن التي تتطلب مجهودا بدلياً شاقا، مما خلف عجزا يقارب 49% في شركات المقاولات لتوفير الأيدي العاملة، و يتم دمج المهاجرين فور تسوية أوضاعهم في وظائف البناء، الطلاء، السباكة، والحدادة لسد احتياجات سوق العقارات وشبكات التطهير والصرف الصحي وجمع النفايات المنزلية ونفايات المصانع.


كما أن قطاع السياحة والفندقة خصوصا شهد في إسبانيا نقصا حادا في الموظفين الراغبين بالعمل لساعات طويلة وعطل نهاية الأسبوع، والمهاجرون يغطون حالياً نحو 45% من الوظائف ذات الصلة بهذا القطاع، مثل عمال النظافة، غسيل الأواني، ومساعدي المطبخ في الفنادق والمطاعم.


أما قطاع النقل واللوجستيات تشتكي شركات النقل الإسبانية من عجز ضخم في سائقي الشاحنات الثقيلة وعمال المستودعات وتوزيع الطرود، وقد بادرت كبرى الشركات الإسبانية حديثا إلى إطلاق برامج تدريب مخصصة للمهاجرين بمجرد تسوية إقاماتهم، لدمجهم فورا في سد هذا العجز التجاري الكبير. 


 العمال المهاجرون في إسبانيا، بعد تسوية أوضاعهم، يضخون مليارات اليوروهات سنويا في خزينة إسبانيا ونظام ضمانها الاجتماعي، محققة عائدا ماليا صافيا يتجاوز بكثير ما تستهلكه من خدمات ومساعدات، وذلك وفق تقارير حكومية حديثة ودراسات اقتصادية صادرة في إسبانيا عام 2026، بما فيها بيانات رسمية منشورة في جريدة إل باييس)، حيث تبرز الأرقام والنسب، أن المهاجرين الذين تخطى عددهم 3,5 ملايين عامل مسجل قانونيا في هذا العام 2026 هذا العام) تصل مياهمتهم إلى 10% من إجمالي الدخل السنوي لصناديق الضمان الاجتماعي، وفي المقابل، وبسبب صغر سنهم النسبي مقارنة بالمجتمع الإسباني الهرم، لا يستهلك المهاجرون سوى 1% فقط من نفقات المعاشات والتعويضات الدورية، مما يترك فائضاً مالياً ضخماً للخزينة. 


 فبمجرد تسوية الوضع القانوني للمهاجرون وانتقالهم من العمل الأسود غير النظامي إلى سوق العمل الرسمي، تضخ عقود عملهم ورواتبهم ما متوسطه 4000 يورو سنويا لكل عامل مهاجر ضمن اشتراكات مباشرة مخصصة للرواتب والضمان الاجتماعي. أما الفارق بين ما يدفعه المهاجر من ضرائب واشتراكات وبين ما يستهلكه من تعليم وصحة ومساعدات، فهو يعود بربح على الخزينة يبلغ 1600 يورو سنويا عن كل مهاجر، وهو أكثر مما يقدمه المواطن الإسباني المحلي في المتوسط، بحكم أن المهاجرين الذين تتم تسوية أوضاعهم يكونون في سن عمل نشط وتفصلهم سنوات عديدة عن معاشات التقاعد. 


كما أنه فور حصول المهاجر على أوراقه الرسمية وراتبه القانوني، يرتفع معدل استهلاكه اليومي. وهذا الاستهلاك يضخ أموالا إضافية في خزينة الدولة عبر ضريبة القيمة المضافة التي تتراوح في إسبانيا بين 10% للمواد الأساسية و21% للسلع والخدمات العادية. 


 وتفيد تقديرات المعاهد الاقتصادية الإسبانية، منها معهد BBVA للبحوث (معهد أبحاث بنك بيلباو فيزكايا أرجنتاريا)، ومعهد المكونات الاقتصادية وCIDOB،

 بأن طفرة تدفق الأيدي العاملة المهاجرة وتسوية أوضاعها ساهمت في توليد ما يقارب 25% إلى 40% من نسبة النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا خلال السنوات القليلة الماضية.  


وتتوزع الإيرادات المالية الضخمة التي تضخها العمالة المهاجرة بعد تسوية أوضاعها في خزينة إسبانيا عبر مسارين أساسيين ومكملين لبعضهما البعض، حيث تتقاسم الشركات المشغلة والمهاجرون أنفسهم عبء هذه المدفوعات القانونية.


 فالشركات والمصانع الإسبانية تتحمل النصيب الأكبر من الأموال المدفوعة للدولة بمجرد توظيف المهاجر بشكل رسمي، حيث تدفع ما يعادل 23.6% إلى 24% من الراتب الإجمالي لكل عامل مهاجر لصالح صندوق الضمان الاجتماعي، لتغطية حوادث الشغل، الأمراض المهنية، وتأمين البطالة.


 وتوافق الشركات على دفع هذه المبالغ طواعية للتخلص من الغرامات القاسية للعمالة غير القانونية التي تصل إلى 10000 يورو عن كل عامل غير نظامي، وكؤ تضمن استقرار عمالتها في عدد من القطاعات الحيوية كالفلاحة والبناء.


ويتم اقتطاع المبالغ مباشرة من الراتب الشهري للعامل المهاجر لصالح خزينة الدولة، حيث يُقتطع له ما يقارب 4.7% إلى 4.9% بشكل تلقائي لصالح صندوق التقاعد العام والتأمين الصحي، وبخضع المهاجرون الذين تمت تسوبة أوضاعهم لنظام الضرائب التصاعدي الإسباني، حيث تتم الاقتطاعات بنسبة تبدأ من 19% وتصل إلى 24% حسب حجم الدخل السنوي، وهي أموال تذهب مباشرة لتمويل الخزينة العامة للدولة ودعم الخدمات مثل المدارس والمستشفيات العامة.


وعند دمج الحصتين، حصة الشركة زائد.حصة العامل المهاجر، تجني الخزينة الإسبانية ما يقارب 30% من القيمة الإجمالية لراتب كل عامل مهاجر شهريا. 

هذا يعني أنه مقابل كل 1500 يورو يتقاضاها المهاجر، يدخل خزينة الدولة حوالي 450 يورو شهريا، في شكل عائد مالي مباشر وصافٍ.


لذلك، فإن الدافع الأساسي وراء برامج التسوية الاستثنائية لأوضاع المهاجرين في إسبانبا هو مصلحة الخزينة والنظام الديموغرافي.


  رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز كان قد صرح رسميا بأن إسبانيا ستخسر نحو 19% من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2050، وسترتفع هذه الخسائر لتصل إلى 22% بحلول عام 2075 إذا توقفت الهجرة تماماً. 

 بيدرو سانشيز كان قد أطلق هذا الإعلان بالضبط يوم الثلاثاء الموافق 30 يونيو 2026. 

وجاء ذلك خلال كلمته الافتتاحية في فعالية تقديم "خطة الإدماج والمواطنة" (Plan de Integración y Ciudadanía) التي أقيمت في الكلية الرسمية للمهندسين المعماريين في مدريد (COAM)، وتزامنت مع اليوم الختامي لبرنامج تسوية أوضاع المهاجرين الاستثنائي في إسبانيا 


وبالنسبة إلى المهاجرين القاصرين غير المصحوبين بآبائهم، فقد وضعت إسبانيا أجندة براغماتية واضحة للاستثمار فيهم بدلا من تركهم في مراكز الرعاية، وتتلخص هذه الأجندة أولا في إصلاح قانون الأجانب لتسهيل العمل، حيث قامت بتعديل القوانين لتسمح للقاصرين المهاجرين بالحصول التلقائي على تصريح عمل قانوني بمجرد بلوغهم سن 16 عاما بدلا من الانتظار حتى سن 18، والهدف هو دمجهم مبكرا في سوق العمل الرسمي وضخهم الأموال في الاقتصاد قبل خروجهم من مراكز الرعاية. 


كما تُوجه الدولة الإسبانية هؤلاء اليافعين نحو المدارس الحرفية والمهنية الرسمية لتعلّم مهن تعاني عجزا هيكليا خانقاً مثل ميكانيك السيارات، السباكة (plomberie)، التلحيم، الطبخ، قيادة الشاحنات، والكهرباء، وتنسق الوزارات المعنية مع الشركات لتوظيفهم فورا كمتدربين برواتب مدعومة. 


وتعتمد الأجندة الإسبانية على نقل هؤلاء اليافعين بعد بلوغهم سن الرشد وتدريبهم إلى القرى والمناطق القروية الإسبانية التي هجرها سكانها الأصليون وتعاني من إغلاق المدارس والمرافق، حيث يُمنحون السكن وتسهيلات الإقامة مقابل العمل في هذه المناطق لإعادة إحيائها ديموغرافيا.

 

وعندما يتم الاستثمار في تعليم اللغة الإسبانية للقاصر داخل مراكز الرعاية لسنوات، فهذا يعني أن الدولة تنتج في النهاية مهاجرا شابا متحدثا باللغة، ومؤهلا مهنيا بنسبة 100%، وجاهزا لدخول الدورة الاقتصادية ودفع الضرائب لمدد تصل إلى 40 عاماً مقبلة، دون أن تتكفل الدولة بتكاليف ولادته أو طفولته المبكرة.


وهكذا، فإن إسبانيا تتعامل مع المهاجرين غير النظاميين والقاصرين من منطلق أنهم موارد بشرية خام، يتم إنفاق المال عليهم في البداية لتنظيمهم وحمايتهم، لتسترد الدولة هذه الأموال أضعافا مضاعفة في شكل ضرائب، ونمو اقتصادي، وحلول لأزمتها الديموغرافية. 

وهذا ما كان.