قرأت بإمعان الورقة العلمية المُحكَّمة التي نشرها الأستاذ الفاضل الدكتور سعيد شبار تحت عنوان: إشكالية الدين والتدين. قرأتها وقد استحضرت المكانة العلمية للمؤلف كما تجلت في مؤلفاته وبحوثه ودراساته إضافة إلى مهمته التعليمية بالجامعة، كما استحضرت القيمة العلمية والإصلاحية للإشكالية، باعتباري مسلما يسعى إلى الرقي بتدينه، ويبحث عَمَّنْ يعينه على ذلك، وباعتباري باحثا يرجو أن يقدم إسهاما في هذا الموضوع مستفيدا من الدراسات العلمية المقدمة، وهذه إحداها بل من أهمها.
قارب الدكتور شبار هذه الإشكالية مستعينا بمكنته العالية في العلوم الشرعية، وانفتاحه الواسع على الدراسات الفلسفية والاجتماعية، وتزود من الثرات الإسلامي كما استفاد مما أنتجه العقل الغربي، ثم صاغ ورقته بمنهج علمي تدرج فيه عبر خمسة محاور؛ استعرض في أولها مظاهر ضمور المعرفة بالإشكالية والآفات الناجمة عنها، ثم استحضر في المحور الثاني جهودا علمية تاريخية حاول من خلالها فلاسفة ولاهوتيون التقريب بين الدين كمثال ومطلق وبين التدين كتمثل ونسبي، لكنها باءت بالفشل وتعرضت للنقد لما تأسست عليه من تصورات تخالف الفطرة الإنسانية وما قامت عليها من توازن بين متطلبات المادة والروح. ثم أكد الدكتور شبار في المحور الثالث أن التدين في نسبيته وتمثله لا يلغي الدين في مثاليته وإطلاقيته، باعتباره مرجعا حاكما يعتمد في تقييم مظاهر التدين وأشكاله وتقويمها. ثم خلص في المحورين الرابع والخامس إلى بيان ما قام عليه دين الإسلام من أسس يفضي الإحسان في استيعابها والجد في العمل بها إلى تقريب التدين من الدين؛ وأول تلك الأسس أن التكليف الشرعي منوط بالقدرة والوسع والطاقة، فعلى المكلف أن يبذل في الطاعة والامتثال ما وسعه من قدرة دون إفراط أو تفريط. والأساس الثاني هو البعد المقاصدي للتكاليف الشرعية؛ فعلى المكلف أن يحقق مقاصد الإيمان متمثلة في العمل الصالح، وأن يحقق ثمرات العبادات الصحيحة ظاهرا وباطنا متمثلة في حسن الخلق واستقامة السلوك.
وفي ختام البحث قدم الدكتور شبار مجموعة من المطالب التي من شأنها الارتقاء بالتدين، وجمعها فيما يلي:
الاجتهاد في تحصيل الوعي والمعرفة بأن الإيمان عمل وأن العمل إيمان
الاجتهاد في تحصيل ثمرات العبادات في الاستقامة وتحسين السلوك،
الاجتهاد في تحرير العبادات من العادات، وفي جعل العادات عبادات،
الاجتهاد في تمثل حقائق الدين حسب الوسع والمقدور ،
الاجتهاد في التخلق بأخلاق الدين في كل الأحوال وفي جميع المهام،
الاجتهاد في اعتبار الالتزام بالنظم والقوانين الخادمة لكليات وأصول الدين تدينا وتعبدا
الاجتهاد في التعرف على آيات الله تعالى في النص وفي الآفاق وفي الأنفس.
هذا بإيجاز مضمون الورقة، وأرجو أن لا أكون في اختصاري لها قد أخللت بجوهرها أو أسقطت بعضا من قضاياها الرئيسة.
وحيث إن جِدَّةَ البحث العلمي وجَوْدَتَهُ لا تنحصر فيما يقدمه من إجابات فحسب، بل فيما يثيره من أسئلة وإشكالات أيضا، فإنني أتقدم بين يدي هذه الورقة بجملة من الأسئلة كان السبب وراء إثارتها طبيعة الإشكالية وصفة صاحب الورقة ومكانته.
أما عن صفة الباحث ومكانته، فقد قدم الدكتور سعيد شبار نفسه باعتباره الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى، ومن ثم فهو مسؤول بدرجة رفيعة عن تدين المغاربة وعن الرقي بمستواه. فالمؤسسات الدينية والمساجد تقع تحت إشرافه، والأنشطة الدينية والخطب والفتاوى تصدر عن المؤسسة التي ينتسب إليها. وعليه، فإذا كان محمودا أن يقدم لنا دراسات نظرية تهم تدين المغاربة، فإنه بموازاة ذلك، إن لم يكن من باب أولى، عليه أن يقدم لنا في هذا السياق إجراءات تنفيذية عملية تتسم بالنجاعة، وتنتج أثارها على المستوى المعرفي والسلوكي للمجتمع.
أما عن إشكالية الدين والتدين، فإنها وإن كانت تَهُمُّ المكلف الفرد، باعتباره سيقف فردا بين يدي ربه للحساب والجزاء، فإنها ـ أي الإشكالية ـ تتشكل في ظروف تاريخية يحضر فيها الموروث الثقافي كأكبر الفاعلين وأقواهم أثرا. كما أنها تتشكل في وسط اجتماعي تتفاعل فيه المؤسسات التعليمية والتربوية كالأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية، فضلا عن آثار العوامل السياسية والاقتصادية.
ومن مجموع هذين العنصرين ـ صفة الباحث وطبيعة الإشكالية ـ أقول:
لو أن الدكتور شبار قدم نفسه كباحث فقط، لكان من حق كل معني بالإشكالية من زاوية بحثية أن يسأله: هل يقبل في بحث ينصب على قضية ما أن لا يعرج صاحبه على المؤسسات الفاعلة في الموضوع، ويبين دورها في مقاربة هذه الإشكالية؟ وأعني بالذات المجلس العلمي الأعلى وفروعه، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والرابطة المحمدية للعلماء، وإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، وقناة السادسة. فكيف إذا كان الباحث المقدم للورقة هو الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى؟ هنا يصبح السؤال أقوى وألزم.
وأرى أن الصفة الوظيفية للباحث تقتضي منه عند تقديم أمثلة لاختلالات التدين، أن لا يكتفي بالحديث عن العامل في المصنع، أو الأستاذ في القسم، أو الموظف في شركة أو إدارة، بل كان يلزمه أن يذكر كذلك إخلال العلماء بوظيفتهم البيانية التي أوكلها الله تعالى إليهم بقوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، وبينا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: العلماء ورثة الأنبياء. وهو في هذا الذكر والتمثيل إنما يعظ أصحابه وينبههم وينذرهم مغبة التفريط والتهاون في مسؤولياتهم.
ثم إن المغربي اليوم يجد نفسه أمام تمثلات دينية متعددة؛ أبرزها ما يروج من أذكار وصلوات، وما يقدم من هدايا في المواسم التي تنسب إلى الأولياء الصالحين، يضاف إلى ذلك الأنشطة الدينية التي تنسب إلى بعض الطرق الصوفية، والادعاءات التي تصدر عن أقطابها وزعمائها. فهل يجد المغربي من المؤسسات الدينية بيانا شافيا واضحا يقضي له بتبني تلك التمثلات الدينية أو بالإحجام عنها وإنكارها؟
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن المغربي يجد نفسه يتلقى دعوات لحضور مهرجانات في الساحات العامة، وتعرض عليه أنشطتها بحمولتها القيمية والسلوكية في قنوات الإعلام الرسمي، كما يتلقى تمثلات معينة لمفاهيم دينية كالتوسط والاعتدال والتسامح والتعايش، فما موقف المؤسسات الدينية منها؟ وهل يفي الخطاب الديني الرسمي بالبيان الشافي؟ وهل ترقى الخطب الموحدة إلى مستوى مواجهة هذه التحديات؟
إن الإجابات الشافية من المؤسسات الدينية الرسمية عن هذه الأسئلة ونظرائها من شأنه أن يسدد التدين ويقربه من الدين المثال، وأن يريح المكلف من كثير من الاضطرابات التصورية ذات الأثر الهدام على الأخلاق والسلوك، وإن بقاءها معلقة سيجعل الدراسات النظرية ذات الصلة بإشكالية الدين والتدين قليلة الجدوى إن لم تكن عديمتها، وإن أكثر ما أخشاه هو أن يصبح الحديث عن تنسيب التدين مبررا للاستمرار في حالة الغموض التي ينتجها موقف اللاموقف الذي تتخذه بعض المؤسسات الدينية، والله أعلم.






