سياسة واقتصاد

حين يصبح الصخب أقوى من العقل.. أيُّ زمن هذا الذي نعيش فيه؟

مريم المزوق (كاتبة)
أيُّ زمن هذا الذي نعيش فيه؟

زمن اختلطت فيه الجدية بالتفاهة، وأصبح فيه الصخب أحيانًا أقوى من صوت العقل، والظهور أهم من الإنجاز، والقدرة على الوصول إلى الميكروفون أهم من القدرة على قول شيء يستحق أن يُسمع؟

إنه زمن غريب تتبدل فيه المعايير أمام أعيننا. من لا يملك صوتًا ولا فكرة واضحة قد يجد نفسه فجأة في مقدمة المشهد، تحيط به الأبواق والميكروفونات، بينما من يحمل فكرًا، وتجربة، وأخلاقًا، ورؤية، يجد نفسه بعيدًا عن الأضواء، وكأن كل ما راكمه من معرفة وخبرة لم يعد له ثمن.

المشكلة ليست في أن يتكلم الجميع، وإنما في أن يصبح الكلام بديلاً عن الكفاءة، وأن تتحول الحرية إلى فوضى، والديمقراطية إلى سباق على الكراسي.

لقد اختلطت علينا المفاهيم. أصبحت حرية التعبير في بعض الأحيان تُمارس دون مسؤولية، وأصبحت الديمقراطية تُفهم باعتبارها حقًا في الوصول إلى السلطة، لا باعتبارها مسؤولية وأمانة ومحاسبة.

والأخطر من ذلك أن السباق نحو الكرسي أصبح في كثير من الأحيان غاية بحد ذاته. الكل يريد أن يحكم، والكل يريد أن يقرر، والكل يريد أن يكون في المقدمة، لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو:

هل كل من يريد القيادة يملك فعلًا مقوماتها؟

هل تكفي الرغبة في السلطة لكي يصبح الإنسان مؤهلًا لممارستها؟

وهل يكفي أن يعلو صوت شخص ما حتى يصبح أكثر قدرة على تمثيل الآخرين؟

القيادة ليست كرسيًا.

والسلطة ليست امتيازًا.

والمسؤولية ليست صورة أمام الكاميرات.

القيادة عقل، وتجربة، ونزاهة، وقدرة على الاستماع، وشجاعة في اتخاذ القرار، وإحساس عميق بأن كل قرار قد يغيّر حياة إنسان، وربما مصير مجتمع بأكمله.

لكننا، للأسف، أصبحنا نعيش زمنًا لا يُكافأ فيه الإنسان دائمًا على ما يعرف، وإنما على مقدار ما يظهر. لا يُنظر دائمًا إلى عمق الفكرة، وإنما إلى حجم الضجيج حولها.

حتى مكانة الكبير لم تعد محفوظة كما كانت. أصبح صاحب التجربة والخبرة يجد نفسه أحيانًا مضطرًا للدفاع عن حقه في أن يُسمع، أمام أشخاص لم تراكم لهم الحياة ما يكفي من التجربة، لكنهم يمتلكون الجرأة على التقدم إلى الصفوف الأولى.

وهنا لا أتحدث عن العمر، فالكِبَر ليس عدد السنوات فقط، والصغر ليس عمرًا. إنما أتحدث عن كِبَر العقل، ونضج التجربة، واحترام الإنسان لمن سبقه.

فكيف وصلنا إلى زمن أصبحنا فيه لا نعرف من هو الكبير ومن هو الصغير؟

من يستحق أن يتقدم؟

ومن يستحق أن يُمنح المسؤولية؟

ومن يستحق أن يتحدث باسم الآخرين؟

والأكثر غرابة أن الإنسان قد يمتلك كل أسباب الراحة والعيش الكريم، ومع ذلك يبقى يبحث عن شيء آخر. يبحث عن مجتمع أكثر عدلًا، وعن إنسان أكثر احترامًا، وعن وطن يشعر فيه الجميع بأن كرامتهم مصانة.

ربما لهذا السبب نركض جميعًا.

لكن السؤال الحقيقي هو: إلى أين؟

نركض خلف المناصب، خلف الشهرة، خلف الأضواء، خلف الاعتراف، خلف الكراسي… ثم نكتشف أحيانًا أننا وصلنا إلى المكان الذي كنا نريده، لكننا لم نجد فيه ما كنا نبحث عنه.

لقد تعبنا.

تعبنا وهرمنا ونحن نبحث عن طريق الحق والعدل والمساواة. تعبنا ونحن نحاول أن نؤمن بأن الأخلاق يجب أن تكون أساسًا للقيادة، وأن الكفاءة يجب أن تكون معيارًا للاختيار، وأن الإنسان يجب أن يُقاس بما يقدمه لا بما يقوله عن نفسه.

فهل نحن مخطئون؟

هل أخطأنا حين تمسكنا بالقيم؟

هل أخطأنا حين رفضنا أن يصبح الصخب معيارًا للقيمة؟

هل أخطأنا حين اعتقدنا أن المسؤولية يجب أن تُمنح لمن يستحقها، لا لمن يطلبها أكثر؟

ربما لسنا مخطئين.

ربما نحن فقط أبناء زمن أصبحت فيه الأشياء الجميلة أكثر صعوبة، وأصبح الحفاظ على المبادئ يحتاج إلى شجاعة أكبر من التخلي عنها.

نحن لا نبحث عن مدينة أفلاطون الفاضلة، ولا نحلم بعالم خالٍ من الأخطاء. نحن فقط نريد مجتمعًا يعرف الفرق بين الحرية والفوضى، وبين الديمقراطية والاستعراض، وبين القيادة والبحث عن السلطة.

نريد وطنًا تُحترم فيه الخبرة، وتُقدر فيه الكفاءة، ويُسمع فيه صوت العقل، ويجد فيه الإنسان الشريف مكانًا لا يُقصى منه لأنه لا يجيد التطبيل، ولا يعرف طريقه إلى الأضواء.

نريد أن تعود الكلمة إلى قيمتها، والمسؤولية إلى معناها، والاحترام إلى مكانه.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يصل شخص غير كفء إلى موقع المسؤولية فحسب، بل أن يصبح المجتمع نفسه مقتنعًا بأن الكفاءة لم تعد مهمة.

وحين تصبح التفاهة أمرًا طبيعيًا، يصبح العقل غريبًا.

وحين يصبح الصخب هو اللغة السائدة، يصبح صوت الحكمة همسًا.

وحين يصبح الكرسي هو الهدف، ننسى أن السؤال الحقيقي ليس: من جلس على الكرسي؟

بل:

ماذا سيفعل وهو جالس عليه؟ وماذا سيترك وراءه عندما يغادره؟

ربما لا نملك القدرة على تغيير هذا الزمن كله، لكننا نملك شيئًا واحدًا: أن نرفض أن نصبح جزءًا من تفاهته.

أن نحافظ على عقولنا، وعلى أخلاقنا، وعلى قدرتنا على قول “لا” حين يصبح الصمت مشاركة.

نحن نومن انه

يبقى الإنسان فقط بما تركه من أثر.

فهل نحن مخطئون لأننا ما زلنا نبحث عن الحق والعدل وا

لا، لن نتوقف

سنواصل البحث عن الحق، والعدل، والمساواة، وعن الإنسان الذي تليق به المسؤولية، وعن مجتمع لا تكون فيه الأخلاق مجرد كلمات، ولا تكون فيه الكفاءة تهمة، ولا يصبح فيه الصدق سببًا للتهميش.

قد نتعب، وقد نشعر أحيانًا أن الطريق طويل، وأن الضجيج من حولنا أقوى من أصواتنا، لكننا لن نفقد الأمل.

فما دام في القلب نبض، وفي العقل فكرة، وفي الإنسان إيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل، فلا مجال للاستسلام.

ولنا دائمًا أمل…

أمل بأن للغد شمسًا مشرقة، ستطل بخيوطها الذهبية الجميلة، لتضيء ما أظلم، وتكشف ما اختلط، وتعيد لكل شيء

لأن الشمس، مهما طال الليل، لا بد أن تشرق.